عودة إلى طه حسين.. علمانية لا تقول اسمها

29 أكتوبر 2016
الصورة
(طه حسين مع زوجته)
+ الخط -

نصوص طه حسين (1889 - 1973)، الذي صادفت أمس ذكرى رحيله، رافد حداثي أصيل، يلتقي فيه حسُّ الجمال الأدبي مع صرامة البحث العلمي، رغم تنوّع جماهير قرّائه واختلاف آفاق توقّعاتهم.

كان الرجل صاحب منهج عقلي، وقلم ثري المضامين، بعد أن نهل من عيون الفلسفة الإغريقية والأدبَين الفرنسي والإنكليزي، وتمثَّل أحدث ما توصّل إليه الباحثون في عصره من مناهج في دراسة الأدب والمجتمع وعلوم التربية.

بدأ مسيرته حين نقد بعقل ريْبي، معتقداتٍ تقدّس الشعر الجاهلي، وترفعه إلى مصاف الأساطير. عمل على بناء تصوُّر عن "مستقبل الثقافة في مصر"، رابطاً فيه الثقافة العربية بمناهل الحضارات الكونية، وداعياً إلى الانفتاح على النظم الديمقراطية واقتباس العلوم الغربية من منابعها. مسيرةٌ فريدة: أمتع طوالها قرّاءَه بعشرات الكتب عن الأدب العربي في مختلف العصور، عرضاً ونقداً وشرحاً، لا يني صوته عن الإملاء، ولا يفتر "صاحِبُه" عن القراءة له.

ومن بين الكتب التي ميّزت مسيرة حسين، بحثٌ لا يبدو أنه نال ما يستحقّه من الاعتناء والدراسة على كثرة قارئيه، عنوانُه "مرآة الإسلام"، وصدر سنة 1959، وفيه تعرَّض إلى بساطة المعتقدات الإسلامية وخلوصها من تعقيدات المرحلة الإسكولاستيكية، وتحرّى في درسه للحقبة التأسيسية للتاريخ العربي - الإسلامي المنزع العقلي - النقدي، رغم ما يحيط بنصوصه الكبرى من هالات التقديس.

في الجزء الأوّل من كتابه هذا، استعاد الكاتب أهمَّ وقائع السيرة النبوية وسَرَدَ الأساسي من أحداثها الكبرى التي تتالت طيلة ثلاثٍ وعشرين سنةً، وخصّص الجزء الثاني للتذكير بأبرز المعاني والموضوعات القرآنية والأسلوب البياني الذي صيغت فيه. وخلُص في النهاية إلى ضرورة اقتصار المسلمين اليوم على المهم من تعاليم القرآن والسنّة النبوية والاكتفاء بأمهات العقائد والأخلاق، ركوناً إلى بساطة المقاربة التأويلية لفهم النصوص وعدم التكلّف فيها.

كما نادى بإبعاد ما تراكم خلال القرون الوسطى من نظريات المفسّرين وتأويلات المتكلّمين، التي اعتبرها إضافات بشرية لا تُلزم أجيال المسلمين في عصورهم اللاحقة. وأرسى بذلك توجّهاً ثقافياً - سياسياً يتخفّف فيه الفكر العربي الحديث من هيمنة الدين على مجالات الحياة العمومية، ويتحرّر من ثقل الإضافات العقيمة التي أنتجها العقل الكلامي في مجادلاته مع المِلل والطوائف الأخرى.

تكمن أصالة هذا المشروع، الذي لم يكتمل نظرياً ولم يُنجز واقعيّاً في تجاوز الطبقات المتراكمة من التفاسير والتأويلات والاجتهادات ونسفها من أجل الرجوع إلى روح النص القرآني والسيرة النبوية في بساطتهما، وإلى الجوهري من التوجيهات، واعتبار ما طرأ خلال القرون الوسطى والأخيرة مجرّد تراكمات بشرية لا قداسة فيها، وليس لأحدٍ أن يلزم بها أجيال المسلمين اللاحقة، إذ الحريّ بهم أن يكتفوا بما في الأصلَين من توجيهات عامّة تتعلّق بالضمير ولا تطاول التنظيم الزمني للحياة الاجتماعية. وهو ما يمكن اعتباره علمانية لا تقول اسمها، حتى لا تصدم حساسية المعارضين من رجال السياسة والدين. بل كادت أن تكون قراءةً سلفية، تمرّر في ذكاءٍ فكرة تحييد الديني وقَصْره على الضمير، بعد أن خلّصه من تأويلات المتكلّفين، وتعقيدات المجادلين.

العودة اليوم إلى نصوص طه حسين كرافد ثقافي تبدو من ضرورات اللحظة: على ألاَّ تعني استعادة تفاصيل نظرياته والمضامين المعرفية التي احتوتها كتبه، فهذه وتلك لا تتوقّفان عن التطوّر، قطيعَةً وتجاوزاً، وإنَّما هي عودة إلى روح المعرفة النقدية والصياغة الجمالية لها، مع الانفتاح الكلي على علوم العصر وأنظمته السياسية التحرّرية.



دلالات

المساهمون