عودة أفراح مصر إلى الشارع

06 اغسطس 2017
الصورة
حفل زفاف في مصر (كريس ماكغراث/ Getty)
تشهد قاعات الأفراح الشعبيّة في عدد من المحافظات المصرية، أو تلك التابعة لبعض النقابات، ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، بالمقارنة مع السنوات الماضية، بسبب إقبال الشباب الراغبين في الزواج على حجزها لإقامة حفلات الخطوبة أو الزواج فيها. بالنسبة إلى كثيرين، فإن هذا الخيار أفضل من حفلات الشوارع التي قد تسبب مشاكل عدة. إلّا أن البحث عن قاعة مناسبة من الناحية المادية، خصوصاً خلال أشهر الصيف، يعدّ مشكلة كبيرة، في ظل ارتفاع الأسعار.

وقد أدى ارتفاع أسعار قاعات الأفراح في مصر إلى إلغاء بعض الزيجات، بسبب الخلافات العائلية على الحجز، علماً أن بدل إيجار حجز القاعة يراوح ما بين 15 و20 ألف جنيه في بعض المحافظات، وقد يرتفع في مناطق أخرى، بحسب ما يطلبه العروسان من طعام وأغنيات وزينة وغيرها. وتختار بعض الأسر تقاسم الكلفة، أو تتحملها عائلة العروس أو العريس وحدها. إلّا أن ارتفاع التكاليف دفع عائلات كثيرة أخيراً إلى العودة للشارع، مستعينين بـ"فتوّات" المنطقة لحماية العرس من أية مشاكل.

من جهة أخرى، أصبحت قاعة الفرح هاجساً ومصدراً للهموم، خصوصاً بعد زيادة الأسعار، ما يضطر الشباب إلى الاستدانة. وبعد إتمام العرس، يجد هؤلاء الشباب أنفسهم مطالبين بتسديد الديون رغم دخلهم البسيط، عدا عن متطلبات الحياة اليومية من مأكل ومشرب وملبس وفواتير كهرباء ومياه وغاز وعلاج وأقساط أثاث المنزل وغيرها. كل هذه العوامل مجتمعة قد تؤدي إلى انهيار الزواج، وهو ما تشير إليه تقارير منظمات حكومية وأهلية.

وفي ظلّ المكاسب الكبيرة التي تحققها حفلات الزفاف في مصر، بات رجال الأعمال يتسابقون على الاستثمار في هذا القطاع، ما أدى إلى انتشار القاعات بشكل كبير، حتى في القرى وعلى امتداد الطرقات الزراعية في محافظات مصر، سواء في الوجه البحري أو الوجه القبلي. كذلك، لجأت الحكومة، ممثلة بوزارة الشباب والرياضة، إلى تأجير الأندية الرياضية التابعة لها، الموجودة في القرى أو المدن. ويقول عدد من الشباب إنّ إرتفاع أسعار قاعات الأفراح بات عاملاً يمنعهم من الزواج وتكوين أسر، فضلاً عن المغالاة في تكاليف الزواج.

ويقول رمضان عمر، الذي يستعد للزواج، وقد وجد عملاً في إحدى الشركات الخاصة، إنّ بدل إيجار قاعات الأفراح تحوّل إلى مشكلة كبيرة بالنسبة للشباب، خصوصاً أنهم يضطرون إلى الاستدانة، ما يؤدي إلى خلافات بين المتزوجين الجدد، بسبب الديون المرهقة والتي قد لا تجعلهم قادرين على تأمين أبسط التزامات الحياة الزوجية. ويوضح أنّ المبالغة في تكاليف الزواج في الوقت الحاضر أدت إلى ارتفاع نسبة الطلاق. فبعد حفلات الزفاف، يشعر الشباب بثقل حمل الديون عليهم، والتي قد لا يكونون قادرين على إيفائها. أما محمد جاد، المقبل بدوره على الزواج، فيقول إنه اتفق وخطيبته على تنظيم حفل زفاف في الشارع بسبب ارتفاع تكاليف قاعات الأفراح بشكل جنوني.



وتشير مريم محمد، وهي موظّفة، إلى أنها مخطوبة منذ عامين وتستعد للزواج في عيد الأضحى. تضيف: "بحثت طويلاً عن قاعة أفراح مناسبة، إلا أن معظم القاعات كانت محجوزة". وبعد عناء، حجزت قاعة في الجيزة، إلا أنها مضطرة إلى استئجار "ميكروباصات" لنقل الأهل والأصدقاء بسبب بعد المسافة، ما يعني أن هناك تكاليف أخرى. ويقول العريس، أحمد عمار: "لم أتوقع ارتفاع تكاليف قاعات الأفراح بهذا الشكل"، لافتاً إلى أن رواتب الشباب متواضعة، ولا يمكنهم تحمل تكاليف الزواج الكبيرة. ويلفت إلى أنه "قبل العرس، هناك تكاليف التصوير والبدلة والفستان وتسريحة الشعر وغيرها".

ويرى أحمد عبد الراضي، وهو خريج جامعي، أن "أعراس الشوارع" عادت بقوة في مصر، علماً أنها كانت موجودة في ثمانينيات القرن الماضي. ويشير إلى أنّ كلفة القاعات ولوازم الفرح باتت تدفع الشباب إلى البحث عن بدائل.

من جهته، يؤكد أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة عين شمس، إبراهيم البيومي، أنّ الدخول إلى قفص الزوجية لم يكن مصدر سعادة بالنسبة إلى شباب كثيرين في مصر، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة من جرّاء الأزمة الاقتصادية، حتى أصبح الزواج مصدراً للهموم والديون بسبب التكاليف الكبيرة، خصوصاً "ليلة العمر". ويلفت إلى أنّ قاعات الأفراح صارت من الأساسيات، ما زاد من الضغوط على الأسرة المصرية. ويرى أن ارتفاع أسعار القاعات أمرٌ غير مبرر، واصفاً ما يحدث بـ"الجشع المقيت"، الذي يشكّل عائقاً بالنسبة للشباب في مقتبل العمر، وقد يضطرهم إلى الانتظار لجمع المال قبل الإقدام على هذه الخطوة. ويوضح أن هذا العامل ساهم في زيادة نسبة العنوسة في البلاد.

ويطالب البيومي بضرورة تدخل الجهات المعنية لوضع قائمة أسعار محدّدة، تصنف قاعات الأفراح، على غرار الفنادق المصنفة من نجمة واحدة إلى خمس نجوم، على أن تكون الأرباح منطقية، وتراعي الحالة الاقتصادية للراغبين في الزواج.