عن وهم التعاون الدولي

28 مارس 2020
الصورة
كرّس ميثاق منظمة الأمم المتحدة مبادئ أساسية، تأسس عليها للقانون الدولي العام، أبرزها التضامن الدولي والتعاون بين شعوب العالم. ويعد هذا المبدأ وسيلةً لمجابهة الأزمات والكوارث والجوائح التي يمكن أن تتعرّض لها البشرية. ويتنزل أيضاً في إطار التقليص من الهوّة والفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الدول، لا سيما بين الغنية منها والفقيرة. ولكن اليوم، وفي مواجهة جائحة كورونا، اتضحت للجميع هشاشة هذه المنظومة الدولية الأممية، وعدم فاعلية المبادئ السامية التي دعت إليها، وغياب آليات ناجعة لتنزيلها على أرض الواقع، بل تبين عدم وجود إرادة سياسية من الدول، على اختلاف انتماءاتها الجغرافية والسياسية والاقتصادية والحضارية، لتتحد في مواجهة الكارثة، وتجلى للعيان غياب الهياكل والأطر الناجعة للعمل الموحد والمشترك.
ولعل أهم مواطن الخلل والقصور تكمن في مفهوم العولمة والمواطنة الكونية التي تدحرجت أمام أول اختبار، وانكشف فقدانها الطابع الإنساني وكل القيم الأخلاقية السامية والنبيلة وانحسارها عن كل ما هو مادي صرف، وكل ما هو ربحي تجاري، وتحكم الشركات العالمية الكبرى في مساراتها، وتحوّلها إلى وحش حقيقي يهدّد الإنسانية، ويصرف عقول البشر عن قضاياه الرئيسية والمصيرية. مواطنة موبوءة بكل مظاهر الأنانية والفردانية، وعولمة تقودها رأسمالية متوحشة.
وتمخض عنها تكوين تكتلات دولية وإقليمية لتسهيل حركة البشر والبضائع والخدمات وإفراز قوى اقتصادية عظمى تتحكم في مصير العالم. هذه التكتلات الإقليمية التي اقتنعنا، إلى ما قبل ظهور فيروس كورونا، بتضامنها ووحدتها وقدرتها على مجابهة التحدّيات الكبرى، ومضاعفة النمو 
الاقتصادي وتحقيق الرفاه لشعوبها، تتحوّل، في لمح البصر، إلى جزر معزولة متناهية العزلة في مواجهة مصيرها المحتوم. ولنتحدث في هذا السياق عن الاتحاد الأوروبي الذي يشكّل قوة اقتصادية عظمى، تجاوزت حدود التضامن الدولي، لترتقي إلى أسوار الاندماج الاقتصادي، وتوحيد السياسات العامة من صناعة وفلاحة وتجارة وسياسة اجتماعية وخارجية، وحماية الحدود من الهجرة غير الشرعية. هذه "الآفة" التي صدّعت بها أوروبا آذان دول العالم وعقولها، ونجحت إلى حد كبير في غلق الحدود، وتصدير ملف الهجرة غير القانونية إلى شركاء خارج الاتحاد الأوروبي في إطار مقايضة مخزية، وتبادل للمصالح والأدوار.
ومن المفارقات أن أوروبا تعجز حالياً عن غلق أبوابها سوية في مواجهة فيروس كورونا، وتقف مؤسساتها المشتركة من برلمان ومجلس وهيئات أوروبية مختلفة مكتوفة الأيادي أمام هذا الوباء المستشري. وتتهاوى المبادئ والآليات التي ارتكز عليها القانون الأوروبي من تقاسمٍ للمسؤوليات، وتضامن والتكامل واختصاصات حصرية ومشتركة، ومفوضة أمام جبروت كورونا. وتواجه كل دولة بمفردها هذا الطاعون المخيف، بل إن بعضها رفعت رايات الاستسلام والعجز، وسلمت الأمر للخالق القدير، عله ينجدها برحمته، ويخفف عنها محنة هذا العدو الجائح.
والأغرب من هذا كله هو السعي المحموم لكل دولة بمفردها إلى إيجاد البلسم السحري والتنافس 
المحموم بينها لصناعة لقاح أو دواء لهذا الفيروس، بل إن دولاً كالولايات المتحدة الأميركية تحاول، بكل الطرق الملتوية والمفضوحة، الاستيلاد على مجهودات مخابر دول أخرى، للاستفادة من الأرباح الجنونية لبراءات الاختراع، ولتصنيع الأدوية واللقاحات، فتضحي تجارة كورونا رائجةً في زمن العولمة تدرّ أرباحاً طائلة لدولٍ أقصى طموحها ربحي منفعي مادي، وآخر همومها الحياة البشرية وسموها وقدسيتها. ويحزّ في أنفسنا في هذا الظرف المتأزم، غياب مخابر عالمية مشتركة، تسخر فيها الطاقات والخبرات البشرية والإمكانات المادية لكل الدول مجتمعة، لمجابهة هذا الخطر، على الرغم من تأكيد المنظمة العالمية للصحة عدم قدرة أي دولة منفردة على التصدّي لهذا الوباء.
محصلة القول إن وباء كورونا كشف لنا قصور منظومتنا التضامنية الدولية، وافتقار نظام العولمة إلى القيم الإنسانية والأخلاقية السامية، وهشاشة التكتلات الإقليمية أمام التحدّيات الكبرى المشتركة. والنتيجة شعوب معزولة في مواجهة عدو غريب فتاك، وغير مألوف، بأسلحة فردية وذاتية لا تفي بالحاجة.