عن همجية في عالم متحضّر

19 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
لا يفوّت الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فرصةً للتبجّح بشأن انتصارات "العالم المتحضر" في الحرب ضد "الإرهاب الإسلامي"؛ وهو الذي تعهد من قبل بأنه سيقيم تحالفات جديدة و"يوحد العالم المتحضر، من أجل اجتثاث الإرهاب الإسلامي من على وجه الأرض". مثل هذه التصريحات تجعل المرء يتساءل عن أي إرهابٍ وأية حضارةٍ يتحدث رئيس دولة متهم بالتحرّش والاغتصاب، سخر من ذوي الإعاقة، وصف هاييتي والبلدان الأفريقية بأنّها "حفر للقذارة"، دافع عن سجن أطفال هاربين من الحروب والمجاعة، وتفاخر بتحطيم الرقم القياسي العالمي لبيع أسلحة الدمار. هذا غيضٌ من فيض سلوك رئيس يصفه معارضوه بالهمجي.
ترامب، ومجرمو حرب منتخبون ديمقراطيا مثل جورج بوش الابن وبنيامين نتنياهو، نصّبوا أنفسهم مدافعين عن ذلك "العالم المتحضر" الذي تفنّن في العنف والوحشية منذ الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش إلى جرائم الفاشية والنازية، مرورا بإبادة السكان الأصليين في أميركا وأستراليا وأفريقيا؛ وهو العالم نفسه الذي ألحق الموت والخراب والتشريد بملايين المدنيين في كل من العراق وسورية وليبيا وفلسطين. وبما أن لكل حضارة وجهين متضادين، مُشرقاً ومظلماً، فإن الحضارة الغربية تميزت أيضا بالتقدم التكنولوجي والرقي الاجتماعي والإشعاع الفكري وحققت قدرا من العدالة والمساواة والحقوق والحريات داخل أراضيها.
ولكن حديث ترامب ونظرائه عن الحرب ضد "الإرهاب الإسلامي" يستوجب التذكير بمسؤولية بلاده في صناعة الإرهابيين، بالتعاون مع عملائها في الأوطان العربية والإسلامية. ويكفي 
استحضار الحوار الذي أجرته صحيفة لونوفيل أوبسرفاتور الفرنسية سنة 1998 مع زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر، والذي اعترف فيه بأنّه قبل أن تستدرج واشنطن الاتحاد السوفييتي إلى غزو أفغانستان بستة أشهر، كان قد أعطى كارتر الضوء الأخضر للاستخبارات الأميركية لتجنيد العناصر الأكثر تطرّفا في الخليج والدول العربية، وتسليحها وتدريبها لمحاربة السوفييت بالوكالة. وحين سأله الصحافي الفرنسي، فانسان جوفير، عمّا إذا شعر بالندم على دعم الأصولية الإسلامية وتدريب إرهابيي المستقبل وتسليحهم، أجابه بريجنسكي: "ما هو الأكثر أهمية بالنسبة لتاريخ العالم، طالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية؟ بعض الهائجين الإسلاميين، أم تحرير أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة؟"
بهذا المنطق الميكيافيلي، استقوت أميركا بالإسلام، وهزمت السوفييت في حرب "الحزام الأخضر ضد الخطر الأحمر"؛ حرب دمرت أفغانستان، وخلفت وراءها كارثة الجهاد الإرهابي. قتل من قتل من المجاهدين في هذه الحرب، وعاش من عاش منهم، ليواصلوا الجهاد ضد المسلمين وغير المسلمين داخل منظومة إجرامية تأسّست مع "القاعدة"، وتوّج مسيرتها الدموية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وإن كان لأميركا وحلفائها يد في نشأة "داعش" وتدريب بعض إرهابييه وتسليحهم، فلا بد من الاعتراف بأن هذا التنظيم ينهل من الموروث الإسلامي الذي يحلل قتل المرتد وإعلان الجهاد على غير المسلمين وسبي نسائهم وبيعهن فى أسواق النخاسة. وهذا ما دفع كبار شيوخ الأزهر إلى أن يرفضوا الإقرار بأن "داعش" خارجة عن الإسلام.
ولم يقف العالم المتحضر عند صناعة "الجهاد السني"، فلقد شجع مثيله الشيعي عبر دعمه الثورة الإسلامية في إيران. ألم تحتضن فرنسا آية الله الخميني وأتباعه في باريس، إلى أن حملتهم إلى طهران على متن الخطوط الجوية الفرنسية، ليقودوا ثورتهم؟ ألم تساعد إذاعة "بي. بي. سي" البريطانية في الدعاية للخميني عبر برامج ناطقة بالفارسية؟ ألم يتواصل كارتر مع المرشد قبل انطلاق الثورة بأسابيع، وتآمر معه على إسقاط نظام الشاه، بعد أن حصل على وعد بعدم قطع النفط عن الغرب وإقامة علاقات ودّية مع الولايات المتحدة؟
انقلبت واشنطن على الشاه، واستخدمت نفوذها على العسكر، وسهلت تثبيت حليفها الجديد الذي 
سينعتها بـ"الشيطان الأكبر". وعلى الرغم من عقود من السجال والسباب بين البلدين، فقد قدّمت السياسات الأميركية والأوروبية الشرق الأوسط لإيران على طابقٍ من ذهب، فبمجرد أن غزت إدارة بوش العراق، قامت بتفكيك نظامه العلماني ومؤسسات الدولة، وأقرّت نظاما طائفيا، ثم سمحت لإيران بتأسيس مليشيات موالية لها، ودفعت بالعراقيين المطيعين لأوامرها إلى سدّة الحكم. وتمادت أميركا في تمكين إيران حين سمحت إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، لآلاف المقاتلين الإيرانيين وحلفائهم اللبنانيين أن يقتحموا الأراضي السورية، ويقتلوا الشعب للإبقاء على نظام بشار الأسد، وإذكاء البعد الطائفي في هذه الحرب. ولكي تحصّن نفسها ضد خطر الديمقراطية، لم تدّخر الجمهورية الإسلامية جهدا في قمعها ثورات الربيع العربي في كل من العراق ولبنان وسورية واليمن عبر مليشياتها الإرهابية.
وها هو اليوم ترامب يواصل سياسة "فرّق تسد" التي تضرب المسلمين الشيعة بالسنة، وتساعد الأخطبوط الإيراني على بسط أذرعه المسمومة في المنطقة، في وقتٍ يجني فيه الغرب ثروة خيالية من بيع السلاح واستنزاف النفط، فمنذ الهجوم الياباني على "بيرل هاربر"، لم تجرؤ دولة على إسقاط طائرات العم سام وقصف قواعده وقتل جنوده وجرحهم مع سبق الإصرار والترصد مثلما فعلت إيران. في المقابل، لم يجد ترامب شيئا يقوله غير "كل شيء على ما يرام"، متمنّيا للجمهورية الإسلامية مستقبلا رائعا، قبل أن تتقدّم إدارته بعرض مفاجئ للقاء القيادة الإيرانية والدخول معها في حوار جاد وغير مشروط. وجاء رد طهران بالتهديد بمزيد من الضربات وإخراج القوات الأميركية من العراق، لتكمل احتلالها بلاد الرافدين ودول الجوار.
إيران لا تهدّد إسرائيل، أقبح ما أفرزته الحضارة الغربية، لأن نظام الملالي حريصٌ على بقائه ولن يجرؤ يوما على نسف الدولة الصهيونية، وهو يعلم أنها تمتلك أسلحة نووية، وتقف وراءها قوى أكثر نووية بإمكانها إبادة حكومة إيران وشعبها من دون أن يرف لقادتها جفن. وحتى إن لم تمتلك السلاح النووي، إيران اليوم تهدّد فئة عريضة من شعبها المسحوق والتواق إلى الحرية، وتهدّد سيادة الدول العربية وأمنها، وطموحات جزء من شعبها إلى التعايش السلمي والحرية والعدالة الاجتماعية. وعبر تمويلها وتسليحها لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، إيران تضر أيضا بالقضية الفلسطينية، إذ ساهمت في استشراء الفساد في بعض صفوف "حماس" وتسلط بعض قادتها وقاعدتها على الشعب، وتعميق أزمة الانقسام الفلسطيني.
الإرهاب والفتنة الطائفية التي أشعلتها جمهورية الملالي والمنظمات الإرهابية السنّية تنخر الجسد العربي والإسلامي يوما بعد يوم، بما يخدم مصالح ذلك العالم المتحضّر مع نفسه والهمجي مع الغير.