عن ميشال إدّه

05 نوفمبر 2019
الصورة

ميشال إده (27/7/2005/فرانس برس)

أفادت محكياتٌ وأخبارُ وإضاءاتٌ على ميشال إده، الوزير والمثقف والباحث والسياسي والتربوي اللبناني العتيد، كتبها ونشرها زملاء لبنانيون، بعد وفاته أول من أمس عن 92 عاما (إلا ثلاثة أشهر)، أفادت بكثيرٍ مما يزودّك بإعجابٍ مضاعفٍ بهذا الرجل الذي استحقّ ما وصف به عروبيّا ولبنانيا وحدويا، ذلك أن ثقافته الغزيرة، الموسوعيّة كما يجري وصفُها عن حق، عن إسرائيل والصهيونية، هي المقطع الأكثر شيوعا عنه بيننا نحن غير اللبنانيين. ولولا مشاركاتٌ له في برامج حوارية في فضائياتٍ لبنانيةٍ وعربيةٍ، عن هاتين الشنيعتين، قبل أن يخصم من روحِه وحضورِه المرض في السنوات الأخيرة، لما كان اسمُه قد راج، إلى حد ما، بين أوساط المعلقين والكتاب والمثقفين العرب، وإنْ هو من بين وجوه السياسة والثقافة في لبنان، وكان وزيرا لغير قطاعٍ غير مرّة، بل ومرّ اسمه مرشّحا لرئاسة الجمهورية مرتين أو ثلاثا، إلا تفاصيل أخرى لم تجعله من نجوم الحياة السياسية اللبنانية وأعلامها، فلم يُحرز الشهرة التي نالها كثيرون غيره، ما قد يعود إلى تقدّمه في السن، وعتاقة إيقاعه، والشعور بأنه ينتسب إلى زمنٍ بعيد، أو إلى رعيلٍ سابق على الوجوه الحاضرة والمعلومة، وهو الذي كان وزيرا أول مرة في عام 1966، ثم ظلّ متعففا عن المماحكات السياسية، والمساجلات والخصومات الركيكة. 
الجوهري في سيرة ميشال إدّه أنه ظل عروبيّ المنزع، وذا سمتٍ مسيحيّ ظاهر يجعله أشبه بالداعية إلى القيم العليا وأخلاقيات التوادد والتراحم والتسامح. ولذلك، يصحّ القول الذي تجدّد أخيرا، بمناسبة وفاته، إنه من سنبلات لبنان النادرين، ومثالٌ ذو رمزيةٍ خاصةٍ في المعادلة اللبنانية، سيما وأنه اتصف بصلابةٍ ظاهرةٍ في قناعاته الفكرية والسياسية، ومن مداميكها معرفته الوثيقة بأخطار إسرائيل على لبنان وعلى المنطقة، وثقافته الغنية عن الصهيونية، ربما من سوء الحظ أنه لم يبادر إلى التأليف في هذا الموضوع، ومن حُسنه أن حلقاتٍ تلفزيونيةً مصوّرة معه (37 حلقة في تلفزيون المنار) بشأن إسرائيل والصهيونية تعدّ مصدرا شديد الأهمية للإفادة من معرفته وحدّة وعيه الوطني والفكري والسياسي بشأن فلسطين واحتلالها، وهو الذي تولّى، في مطلع الألفية الثالثة، منصب نائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية. وفي الأثناء، كان هذا الرجل صاحب مناقبيةٍ عاليةٍ، وهو يشدّد على التربوي والتعليمي الذي يلزم أن يكون في البال عند نشر الوعي والثقافة عن إسرائيل والصهيونية ومخاطرهما على الأمة.
ومن محكياتٍ نُقلت عن الوزير والمثقف ورجل الإعلام والتربية، ميشال إدّه، إنه لم يكتب مذكّراته، تحرّزا من الإساءة إلى بعض من عرفهم واشتغل معهم، ومن له مؤاخذاتٌ عليهم، ومواقف منهم، وقد نقل عنه الصحافي، نقولا ناصيف، قوله "إما أكتب كل شيء أو لا أكتب.. وإذا كتبت كل شيء سأسيء إلى كثيرين". وفي هذا الأمر، تتغلّب سجايا هذا الرجل النبيل الأخلاقية المحضة على ضرورات التأريخ والتوثيق وإشهار شهادات المعاينة والمعرفة والتجربة (التجارب على الأصح). ولا يقدر معلقٌ في الصحافة، كما صاحب هذه المقالة، أن يثني على أمرٍ كهذا، ذلك أن مهنتنا لا تقدم أولويةً على الخبر والوثيقة والمعلومة، إنْ من تاريخٍ مضى أو راهنٍ جارٍ، غير أن واحدَنا لا يملك إلا أن يملأه عظيم التقدير على هذه الأناقة الأخلاقية بالغة السمو لدى ميشال إدّه، الزاهد والنظيف، والذي يبدو أن طبعه هذا وراء نأيه المزمن عن المحاججات المعلنة. ولذلك ليس غريبا أن كثيرين ممن نعوه هم على ضفةٍ أخرى مضادّة لما كان عليه، وللمواقف التي أقام عليها. لقد حافظ في حياته، وفي مماته، على صفته الغالبة، رجلا مُجمعا عليه، وهو الذي عرفته منابر منتدياتٍ إسلامية، حاضر فيها واستضيف فيها، من موقع المؤمن بوحدة اللبنانيين، وقد ظل يردد أن لبنان صنعه الدروز، قبل الموارنة، وهو الذي تولّى رئاسة الرابطة المارونية في بلده سنوات..
بإيجاز، كان ميشال إدّه عنوانا نادرا في أزمنة عواصف لبنانية مشهدودة. يستحق تعريفا به أفضل.

دلالات