عن مكانة السعودية في الشرق الأوسط الجديد

عن مكانة السعودية في الشرق الأوسط الجديد

23 ديسمبر 2018
+ الخط -
على الرغم من الاحتفاء السياسي/ الإعلامي بإعلان الموازنة السعودية للسنة المالية 2019، فالأرجح أن ذلك لن يكون كافياً، لكي يضمن للرياض موقعاً مؤثّراً في النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، الجاري إعادة تشكيله حالياً.
صحيحٌ أن للمال والصفقات الاقتصادية أثرهما في استمالة الخصوم، وربما شراء بعض المواقف آنياً، لكن الأدوات المالية المفتقرة إلى رؤية استراتيجية متكاملة، فضلاً عن تفاقم مشكلات صنع القرار في السعودية، وانعدام المؤسسية، وغلبة التكتيكات على الاستراتيجيات.. كل هذا وغيره، أدى إلى انتقال البلاد من أزمة إلى أخرى، من دون أن تمتلك فرصة لحل المشكلات القائمة، ناهيك عن إيجاد مساحاتٍ جديدة أمام حركة الرياض مستقبلاً، خصوصاً بعد قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين التي أظهرت "عزلة" ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، وتآكل صورة "أمير الإصلاح والتغيير" الذي يقود "السعودية الجديدة" نحو تحقيق "رؤية 2030".
وليس سراً أن بن سلمان لا يزال يبحث عن مخرج من تداعيات جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والتي أثارت أزمةً مركّبةً، ربطت بين المستويات السعودية والإقليمية والدولية، على نحو عزّ نظيره على مدار عام 2018، على الرغم من كثرة الأزمات التي جعلته عاماً ثقيلاً بالخسارة بالنسبة للرياض التي لم تجنِ شيئاً من سياسة "افتعال الأزمات وتصديرها للآخرين"، وأساليب المراوغة والتسويف وإنكار الحقائق التي انتهجتها في قضية خاشقجي وسواها.

وعلى ضوء خريطة التصريحات والتحركات، إقليمياً ودولياً، ثمّة خمسة مؤشرات مهمّة، تكشف تآكل/ تراجع موقع السعودية في المنطقة.
أولها مؤشر التنافس الدولي بشأن سورية، خصوصاً بعد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بسحب قواته المتمركزة شمال شرق سورية. وبغض النظر عن مزاعمه عن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية، أو تبرير قراره بأنه حان وقت عودة الجنود الأميركيين إلى وطنهم، وأنه يجب أن يحارب آخرون، بدل أن تستمر واشنطن في دور شرطي الشرق الأوسط من دون عوائد حقيقية، فإن تداعيات القرار ستصب في الأغلب لصالح موسكو وحلفائها. وبهذا تخرج السعوديةُ، والعرب أجمعون بما في ذلك الرئيس السوداني عمر البشير الذي زار دمشق أخيرا، خالية الوفاض من سورية، لمصلحة الثلاثي الروسي - التركي – الإيراني، ما يؤكد أن "المسألة السورية" تحولت إلى شأن دولي/ إقليمي، لا يملك العرب فيه نفوذاً ولا تأثيراً، بما قد يتشابه نسبياً مع الحالة العراقية.
ولا تبدو خسارة إسرائيل في سورية قريبة، لثلاثة أسباب: إمكانية تحسين علاقاتها وتفاهماتها مع روسيا، قدراتها العسكرية والاستخبارية التي يمكن توظيفها لتصعيد صراعها مع إيران في سورية، مدعومةً من واشنطن، كما صرح بذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قدرات تل أبيب الدبلوماسية، وتحالفاتها من مصر إلى اليونان إلى قبرص، التي تعطيها أوراق ضغط في مسألة غاز شرق المتوسط. أما خسارة الرياض في هذا المضمار فقد تحققت فعلاً، بعد أن فشلت دبلوماسيتها المالية في إقناع ترامب برغبات محمد بن سلمان في عدم انسحاب واشنطن من سورية، كما صرح في إبريل/ نيسان الماضي. إضافة إلى انتهازية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عندما قارن بين معاقبة بلاده في قضية محاولة تسميم الجاسوس سيرغي سكريبال، على الرغم من أنه ما يزال حياً، وعدم معاقبة السعودية في قضية جمال خاشقجي، حتى بعد أن تأكد للجميع مقتله.
يتعلق المؤشر الثاني بوضعية التفوق الإقليمي لأنقرة على حساب الرياض، قبل جريمة اغتيال خاشقجي في إسطنبول وبعدها. إذ يبدو واضحاً اليوم نجاح تركيا في جذب المؤسسات الأميركية، ولا سيما الكونغرس ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، لمصلحة روايتها بشأن قضية خاشقجي، على الرغم من تقديم الرياض أربع روايات متناقضة، وجهودها المستميتة على مدار أكثر من شهرين بعد الاغتيال. لا بل إن السعودية أهدت لتركيا، من حيث لم تقصد، مساحاتٍ تسمح باستعادة علاقتها الدافئة بواشنطن في ملفات عديدة، من سورية إلى احتمال تخلي ترامب عن ورقة الداعية المقيم في الولايات المتحدة، وتطالب به أنقرة، فتح الله غولن، إلى إبرام صفقة صواريخ باتريوت مع تركيا، على الرغم من إصرارها، في الوقت نفسه، على الحصول على منظومة الصواريخ الروسية إس - 400.
يتعلق المؤشر الثالث على تراجع المكانة السعودية باللجوء إلى تكتيكات غير مدروسة، من قبيل إنشاء كيان جامع للدول المطلة على حوض البحر الأحمر، (يضم السعودية، ومصر، واليمن، والسودان، وجيبوتي، والصومال، والأردن)؛ لتحقيق المصلحة الأمنية والسياسية والاستثمارية، وتأمين حركة الملاحة البحرية. وعلى الرغم من أهمية ضمان المصالح العربية في البحر الأحمر وخليج عدن، فإن هذا التجمع قد يواجه مصيراً مشابهاً للتحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب، والذي أعانته الرياض أواخر 2015، في حين كانت السعودية أبرز المعترضين على اقتراح مصر بإنشاء "قوة عربية مشتركة" ربيع العام نفسه.
ويتعلق المؤشر الرابع بتضاؤل أطواق النجاة أمام محمد بن سلمان، حتى بافتراض دفع التطبيع الرسمي السعودي مع إسرائيل إلى مداه الأقصى، أو قيامه بـ "التفاتة سعودية محدودة" نحو روسيا والصين والهند، لا تؤثر على حقيقة أن التوجه السعودي الخارجي يبقى مصوّبا نحو أميركا خصوصاً، والغرب عموماً.

يخص المؤشر الأخير القدرة السعودية الرمزية، بوصفها حاضنة مكة والمدينة؛ إذ تبدو أيضاً في طريقها إلى التآكل، بفعل تسييس الحج، وتداعيات حصار قطر، ونتائج حرب اليمن الكارثية، وتفاقم سياسة اعتقال المعارضين والناشطين السعوديين. وعلى الرغم من تأكيد المؤتمر العالمي للوحدة الإسلامية في مكة، ديسمبر/ كانون الثاني الجاري، تحت عنوان "مخاطر التصنيف والإقصاء"، "أهمية المرجعية الروحية للسعودية للمسلمين كافة"، وكذا لجوء السعودية إلى تبكير موعد فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، في نسخته الثالثة والثلاثين، وتعيين إندونيسيا ضيف شرف المهرجان، فذلك لا يبدو كافياً لطمس تداعيات جريمة اغتيال خاشجقي التي حذّر بعدها، نعمان كورتولموش، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، من أن المسلمين سيشعرون بالقلق من التعرّض لمصير خاشقجي خلال الحج والعمرة؛ فإذا شكّوا في أمن الحج، لن تبقى صفة خادم الحرمين الشريفين، ولن يتم أداء الشعائر بطمأنينة.
وإجمالاً لما سبق، يمكن القول إن المأزق السعودي بعد اغتيال خاشقجي لن تعالجه خطوات شكلية/ جزئية تتخذها الرياض، أو الانخراط في "مصافحات هزلية"، كما حدث بين الرئيس الروسي بوتين وبن سلمان في الأرجنتين. وفي حين تتراجع مكانة السعودية، باضطّراد ملحوظ، في النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، تعزّز روسيا وتركيا مواقعهما، بينما ترواح إيران وإسرائيل في منزلةٍ بين المنزلتين.