عن مقهى فيصل وإخوانه

26 اغسطس 2019
الصورة
مقهى في بيروت عام 1951 (Getty)

كان البريد الخارجي الذي يصل إلى الجامعة الأميركية في بيروت، وهي بالمناسبة أقدم جامعة خاصة حديثة في المشرق العربي (1866) في شارع يحمل اسم مؤسسها د. دانيال بلس، يحمل العبارة التالية: "الجامعة الأميركية قرب مقهى فيصل"، كما روى يوماً منح الصلح. ومقهى فيصل لعب دوراً سياسياً وثقافياً في الحركة القومية واليسارية اللبنانية والعربية خلال الخمسينيات والستينيات، وحافظ على دوره حتى اندلاع الحرب الأهلية. حاول مقهى "الهورس شو" لاحقاً منافسته ولم يستطع، مع أنه اجتذب أعداداً لا بأس بها من المثقفين والصحافيين.

إذاً كان مقهى فيصل أشهر من الجامعة الأميركية في بيروت، لتحمل الرسائل إليها اسمه كعلامة دلالة على المكان، لكن الهورس شو لم يستطع محو اسم شارع الحمراء من التداول، وإن كان ذا حضور لافت. مقهى الفيشاوي في خان الخليلي في القاهرة هو نموذج آخر وكذلك سواه، وفي كل مدينة عربية ما يشابه هذه المقاهي التي يعتمدها رواد شريحة ما فتطبق شهرته الآفاق، ويصبح علامة فارقة على المكان الذي يتعدى وظيفته.

شهرة فيصل أو سواه لم تتأتَ من أنه مكان يقصده متبطلون لديهم وقت فائض يصرفونه مع زملاء لهم، بقدر ما كان تعبيراً عن مكان تفاعل بات مسرحاً لنهضة أو جدل فكري ترك بصماته على تطور الأحداث واتجاهاتها. كان رواد مثل هذه المقاهي يملكون مخزوناً ثقافياً يتواصلون من خلاله مع أقرانهم، فتنتج من ذلك حالة فكرية تجد لها ترجمة في المقالات والكتابات النقدية والمطارحات السياسية والأدبية.

لكن مقهى فيصل فقد بريقه وتحوّل في مرحلة ما إلى مطعم يقدم المأكولات الأميركية السريعة، وغاب اسم الهورس شو هو الآخر، وكذلك العديد من المرابع التي لعبت دورها في جدال الأفكار، أكثر من ذلك تحوّل العديد من مقاهي شارع الحمراء إلى محال لبيع الثياب والأكسسوارات النسائية وما شابه. وشيئاً فشيئاً فقد الشارع شخصيته كملجأ لطبقة من المثقفين. أما لماذا حدث هذا التحول؟ فهنا السؤال الجوهري.




رغم ثقل الوقائع العربية بدءاً من حدود جبال اليمن إلى سفوح جبال أطلس مروراً بفلسطين ومصر وليبيا ولبنان وسورية والسودان والجزائر، يمكن القول إن اضمحلال دور المقهى في التفاعل مرده الأصلي هو غياب الأفكار والروح الناقدة لدى أجيال من المتعلمين. ينطبق ذلك على أساتذة الجامعات وعلى طلابهم بالتأكيد. لم يعد هذا الجيل يرى فائدة من تمضية وقته في نقاش معمق للمآلات التي باتت عليها الأوضاع في هذه البلدان العربية، إذ بالنسبة له الأجدى هو صرف الوقت في الاطلاع من الإنترنت على الجديد في مجالات الاختصاص دون سواها، أو نسج العلاقات العامة عبر الوسائط التكنولوجية الحديثة. إذاً لم تعد هناك وظيفة فكرية ثقافية للمقهى فبات من لزوم ما لا يلزم بعد أن تراجع دوره المجتمعي إلى مجرد مساحة في منطقة ناشطة تجارياً، لذا أصبح الأجدى لأصحابه أو مالكي العقار الإفادة منه في مجال تجاري يدر مردوداً أكبر من مجرد جلوس عدد متناقص من المثقفين الذين يكثرون من الكلام ويقللون من الطلبات التي تحقق لهم الأرباح.

*باحث وأكاديمي
تعليق: