عن مظاهرات العراق وآفاق دوره العربي

11 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
على الرغم من جسامة التحديات القائمة في العالم العربي، تحمل مظاهرات الشباب العراقي، التي انطلقت أوائل أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أملاً في تحريك الأوضاع الراكدة في بلاد الرافدين، منذ سقوطها في براثن الاحتلال الأميركي عام 2003، ثم النفوذ الإيراني، اللذين ضربا العالم العربي في مقتل؛ إذ تحوّلت واشنطن وطهران إلى طرفين متحكّمين في شؤون العرب الداخلية، وفي تفاعلاتهم الخارجية، وفي مصير قضاياهم الاستراتيجية، بدايةً من فلسطين ولبنان، ومروراً بالعراق وسورية واليمن، وليس انتهاءً بالثورات العربية المغدورة. 
هذه المظاهرات في بداياتها، ولكنها حققت ثلاثة إنجازات مهمة؛ أولها إعادة رسم صورة الإنسان/ الشاب العراقي، بوصفه إنساناً يسعى إلى العيش الكريم والحرية والاستقلال الوطني. لقد أدّت إلى إبراز صوت المهمّشين والعاطلين من العمل والمطالبين بحقوقهم الأساسية، وكسر حاجز الخوف من السلطة الطائفية/ المليشياوية التي قزّمت العراق العظيم، وهو العضو المؤسّس في جامعة الدول العربية، إلى مجرد ساحةٍ لحروبٍ إقليميةٍ ودوليةٍ بالوكالة تحت ذرائع مختلفة، ومنها ذريعة "الحرب على الإرهاب" التي اتُخذت "مطية" لكي تعصف السياساتُ الإقليمية والدولية بالثورات العربية ومقاومة الشعوب الواقعة تحت نير الاحتلال الأجنبي المباشر، وفي مقدمها شعبا فلسطين والعراق.
ولعل من أسوأ تبريرات السلطات العراقية في قطع خدمة الإنترنت وقمع هذه المظاهرات السلمية، الزعم بأنها تأتي بسبب تحريض/ مؤامرة/ أجندة خارجية، فهل يحتاج الشباب العراقي خصوصاً، والمتظاهرون عموماً، إلى "تحريض خارجي" لإدراك سوء واقعهم المعيشي وضياع حقوقهم؟ 
على الرغم من ثراء بلدهم وإمكاناته الكبيرة التي يراها القاصي والداني؟ الزعم بوجود "أيادٍ خارجية" تقف خلف هذه المظاهرات لا يعدو كونه دليلاً على أن نظام بغداد ينتمي إلى نظم ما قبل "حقبة الثورات العربية" التي تستند في "شرعيتها المنقوصة" إلى الدعم الخارجي، لكنها تزعم دائماً أنها "وطنية"، وأن الخارج يتآمر لإسقاطها، بسبب "مواقفها الوطنية التي تعيق تحقيق المصالح الخارجية". فإذا كانت كذلك بالفعل، فلماذا تخرج ضدها هذه المظاهرات؟ وكيف تكون النظم العربية "وطنية"، وهي لا تتورع عن إزهاق أرواح عشرات من مواطنيها، وجرح/ اعتقال الالآف منهم، بسبب مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، على الرغم من وجود الدساتير والقوانين التي تتيح حق التظاهر والتجمع السلمي.
الإنجاز الثاني، إبطاء نزيف "الهوية الوطنية العراقية"، واحتمال تهدئة الصراعات الداخلية نسبياً، واحتمال بداية مرحلة من "مخاض التعافي الوطني". وليس خافياً أن سياسات واشنطن وطهران، على الرغم من اختلاف المنطلقات والأدوات، كانت، ولا تزال، تهدف إلى إضعاف العراق وتجزئته وسلب هويته العربية الضاربة في التاريخ، وإلحاقه ضمن مشاريعها الإقليمية، مع تجاهل تامٍ لرغبات الشعب العراقي وتطلعاته نحو التنمية والحرية والاستقلال على ترابه الوطني.
نجح المتظاهرون، إلى حدٍّ ما، في إظهار أن ثمة "وطناً عراقياً مفقوداً" يبحثون عنه، على الرغم من أن معظمهم من جيل الشباب، الذي لم يبصر مجد بلده وثراءه، قبل انخراطه في الحروب الإقليمية العبثية، سواء ضد الأكراد أو إيران أو غزو الكويت، التي التهمت خيرة شباب العراق وثرواته وكوادره الكفوءة.
إن استرجاع العراق "هويته المسلوبة"، و"الانتفاض الوطني"، ربما يؤديان إلى إعادة تعريف المصلحة الوطنية العراقية، خصوصاً بالتمايز (بل وحتى الانفصال) عن إيران ومشروعها الإقليمي الطائفي المدمّر؛ ففي بلدٍ مثل العراق أو سورية أو لبنان، لا يمكن بناء السياسات العامة على أساسٍ طائفي ومحاصصات، وإقصاء المكونات الوطنية، وتفضيل بعضها على بعض.
الإنجاز الثالث، تأكيد أن العراق ليس معزولاً عن بيئته العربية، على الرغم من وقوعه تحت الاحتلال الأميركي ونفوذ إيران والمليشيات المتحالفة معها. وليس بلا معنى أن يأتي هذا الحراك الشبابي العراقي بعد أقل من أسبوعين من نظيره المصري في سبتمبر/ أيلول الماضي، على الرغم من كثافة القمع وسياسات الاستنفار الأمني والاعتقالات وإغلاق المجال العام وإفقار المجتمع وتجهيله، ما يؤكد أن هذه السياسات لم تنجح في تغيير الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي نحو الأفضل.
وهذا يؤكد أن الثورات العربية لم تكن ظاهرة آنية/ عابرة، بل هي انتفاضاتٌ حقيقية تحمل رغبة في التغيير والإصلاح، ولها أسباب ودوافع داخلية/ ذاتية أساساً. ما يستوجب التفريق بين وجود أطراف خارجية تحرّك الانتفاضات بدايةً وقيام هذه الأطراف بمحاولة توظيف المظاهرات ونتائجها لاحقاً، لكي تحرفها عن أهدافها، وتستفيد منها على أكبر نحو ممكن.
واستطراداً، يمكن القول إن تحكّم العامل الخارجي لن يقود العراق إلى الديمقراطية أو التنمية أو 
الاستقرار، فهذه الأمور لا تحدث إلا بنهوض العامل الداخلي، وبلورة إرادة سياسية عراقية ذاتية صلبة، تخرج البلد من الفلكين، الإيراني والأميركي، وهو أمر يبدو ممكناً في ضوء الصيغة التي انتهى إليها الحراك السوداني قبل أشهر. ولئن كان الحراك الشبابي العراقي يمنح البلد فرصاً حقيقية، فإنها تفرض عليه ثلاثة تحديات في الآن نفسه.
الأول، ضمان استمرارية المظاهرات وسلميتها، وتطوير مطالبها العادلة، وعدم حرفها نحو أجنداتٍ حزبية أو طائفية، والحذر الشديد من الانجرار إلى مستنقع عنفٍ داخليٍّ جديد. وبمقدار هذا الاستمرار، سيكون الإنجاز لهذا الشعب الذي ذاق الأمرّيْن في العقود الماضية، نتيجة أخطاء الحكم الاستبدادي وتفشّي الطائفية والعنف الداخلي، والانخراط في لعبة "محاورٍ إقليمية" مميتة، وحروبٍ مدمرة بلا طائل.
التحدي الثاني هو التفكير الاستراتيجي في كيفية بدء "مصالحة مجتمعية عراقية"، تزيل آثار العقود الماضية بدون تأجيل أكثر من ذلك؛ فمستقبل العراق هو في تعايش مكوّناته الطائفية وتمازجها وتصاهرها، حتى لا يصار إلى حشد أطيافه ضد بعضها بعضاً، في "حرب الجميع ضد الجميع"، التي تؤدي إلى ضياع العراق وشعبه وتراجع مكانته العربية والإقليمية.
ويتعلق التحدي الثالث بكيفية تجنيب العراق تبعات أي تصادم إسرائيلي محتمل مع إيران، خصوصاً مع تصاعد مؤشرات الصراع والاستقطاب الإقليمي، بين كل من إسرائيل ودول الخليج من ناحية، وإيران وحلفائها في العالم العربي من ناحية أخرى.
باختصار، جاء هذا الحراك الشبابي العراقي في لحظة تحولٍ إقليمية، قد تعطيه أفقاً للاستمرار والتأثير، شريطة التعامل مع التحدّيات، الداخلية والخارجية، والعمل على ارتقاء العامل الذاتي العراقي إلى مستوى هذه التحديات، مع العمل على الخروج من متاهة العملية السياسية الجارية في العراق وجدالاتها العقيمة.
وبهذا المعنى، يبقى حل مشكلات العراق، مثل الطائفية والفساد والاستبداد والمحاصصة وتخلف التنمية واستشراء النفوذ الخارجي، جزءاً من حل مشكلات المنطقة إجمالاً، وبحكم محوريتها ودورها التاريخي، تبقى بلاد الرافدين قادرة على أن تشكّل "نموذجاً ناجحاً ملهماً" للعرب الآخرين.