عن مسافة "السكة"
تسعة أيام من العدوان الصهيوني على قطاع غزة، ومن المجازر اليومية التي ترتكب بحق المدنيين الفلسطينيين، هي "مسافة السكة" التي تحدث عنها عبد الفتاح السيسي، لحماية أي قطر عربي من أية مخاطر خارجية، قد تحدق به، إلا إذا كانت غزة في ظل حكومة المصالحة الوطنية، ومع وجود المقاومة فيها، ليست من الأقطار العربية التي عناها سيادة المشير، أو أنه لا يعتبر كيان الاحتلال وعدوانه السافر على غزة خطراً خارجياً، حتى يسيّر وحدات الجيش المصري لدرء هذه المخاطر.
تسعة أيام من العدوان الصهيوني بكل أنواع الأسلحة على الشعب الفلسطيني في غزة، وقيادة الانقلاب العسكري في مصر صامتة، لا تتحرك، مع أن غزة تشكل العمق الجغرافي لمصر، من ناحية، وتعتبر جزءاً من الأمن القومي لها، من جهة ثانية، ومع ذلك كله، تتجاهل قيادة الانقلاب هذه المجازر، وتغمض عينيها عما يجري، وتعطي الفرصة، تلو الأخرى، للتخلص من "حماس"، ومن المقاومة والشعب الفلسطيني، بحسب ما أفصح عنه الإعلام الداعم للانقلاب في مصر، والممول من رعاته الإقليميين والدوليين.
وعندما صمدت غزة، وعندما أظهرت للعالم قوتها وعنفوانها، وإرادة التحدي عندها. عندما فاجأ المقاومون كيان الاحتلال بما لم يكن يتوقعه، عندما قصفت غزة تل أبيب والقدس وحيفا وديمونا، عندما وصلت الضفادع البشرية إلى أبرز قواعد الجيش الإسرائيلي وأهمها في الجنوب الفلسطيني، عندما أطلقت المقاومة الفلسطينية طائرات الاستطلاع فوق وزارة الحرب الاسرائيلية، وعندما كشفت عن بعض ما أعدته لقوات الاحتلال في حال الهجوم البري من خلال الاستعدادات الكثيفة، وعندما أدرك قادة كيان الاحتلال أنهم وقعوا في ورطة كبيرة، فمعظم المدن الإسرائيلية تتعرض لصواريخ المقاومة، والمستوطنون يبيتون لياليهم في الملاجىء، ووقف الصواريخ بات من المتسحيلات، والاجتياح البري مغامرة غير محسوبة العواقب، وعندما فشل العدوان الصهيوني على غزة، بما تعنيه الكلمة من معنى، بلغت "مسافة سكة السيسي" نهايتها، ولكن الجيش المصري الذي وعد به السيسي، للدفاع عن حياض العرب لم يصل، لأنه يبدو مشغولاً بأمرٍ آخر في الداخل المصري، بل وصلت مبادرة وزير خارجيته التي جاءت بمثابة طوق نجاة لكيان الاحتلال، لإنقاذه من هذه الورطة، وحفظ ما تبقى من ماء وجه حكومته. لذلك، وافقت هذه الحكومة، بصورة شبه فورية، على هذه المبادرة، من دون تردد، للخروج من هذه الورطة، أولاً، ولأن بنود المبادرة "السيسية" تلبي، في أغلب بنودها، مطالب الاحتلال، فهي، وإن جاءت متأخرة، فإنها جاءت لتنقذ كيان الاحتلال، وليس لوضع حد لعدوانه على غزة.
في العدوان الصيهوني على غزة في العام 2012، لم تكن مسافة السكة بين مصر وغزة سوى بضع ساعات، وصل خلالها رئيس وزراء مصر في عهد الرئيس مرسي، هشام قنديل، مع بعض وزرائه إلى قلب غزة، حيث كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف في القطاع، واستطاع أن يضع حداً فورياً لعدوان "إسرائيل" على الفلسطينيين، بشروط مشرفة ومقبولة من الحكومة الفلسطينية في غزة يومها. أما مسافة السكة بين مصر وغزة، اليوم، فهي تسعة أيام من المجازر الصهيونية، لتحمل السكة بعدها مبادرة تنقذ الاحتلال، قبل أن تضع حداً لعدوانه.
عبّر الرئيس محمد مرسي، أمس، أفضل تعبير عن أصالة الشعب المصري، وعن مسافة السكة الحقيقية بين مصر وفلسطين، عندما أطلق، في محبسه، عبارات التأييد لفلسطين فقال: "لبيك يا غزة" لبيك يا فلسطين" "لبيك يا قدس"، ليؤكد أن ضمير الشعب المصري مع فلسطين، في حين أن صمت الانقلابيين، وإعلامهم، يريد أن يبني جداراً كثيفاً من الشك يقضي على السكة، وطرفيها، ليبقى الكيان الصهيوني سيّد السكة، وأصحابها في المنطقة.