عن مجتمعاتنا التي لا نعرفها

13 يوليو 2020
الصورة

عمران يونس

غنّى الشابان عمر كمال وحسن شاكوش (اسمه الحقيقي حسن منصور من مواليد 1987) أغنيتهما "بنت الجيران" أوائل فبراير/ شباط الماضي، فخطفا الأضواء في مصر والعالم العربي. وأصبحت الأغنية الجديدة "ترند" على وسائط الميديا الجديدة، كاليوتيوب والساوند كلاود (تجاوز عدد مرات مشاهدتها وتشغيلها الملايين خلال أيام قليلة). كذلك أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وباتت الأغنية المفضلة لدى الجميع: طلاب المدارس والجامعات، سائقي "التوك توك" والميكروباصات، فضلاً عن قاعات الأفراح والمناسبات. وبين عشية وضحاها، أصبح كمال وشاكوش، اللذين كانا عاطلين من العمل حتى وقت قريب، حديث المدينة العربية، تتهافت عليهما القنوات والفضائيات، وتطاردهما الحسناوات، خصوصاً بعد قرار وقفهما الذي أصدره نقيب الموسيقيين، المطرب هاني شاكر، والهجوم الذي شنّه عليهما الموسيقار حلمي بكر، الذي اعتبر أن ما يقدمانه كارثة على الفن والطرب، بتعبيره. ولولا جائحة كورونا، لكانت "بنت الجيران"، وتوابعها، معنا.
بعد أسابيع قليلة، ألقت الشرطة المصرية القبض على حنين حسام، المعروفة بفتاة "التيك توك" واتهامها بـ"خدش الحياء العام والاعتداء على مبادئ وقيم أسرية في المجتمع المصري، واستخدام مواقع للتواصل الاجتماعي وإدارتها واستخدامها "لتسهيل ارتكاب تلك الجريمة" هكذا. ومنذ ذلك الوقت، اعتقلت الشرطة الشابة المراهقة منة عبد العزيز (17 عاماً) ومودة الأدهم (20 عاماً) وبسنت محمد (19 عاماً) واتُّهمنَ جميعاً بـ"الترويج للفسوق وخدش الحياء العام"، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي من أجل القيام "بإيحاءات لإثارة الغرائز بقصد جذب المشاهدين وجمع المال ضاربة بالعادات والتقاليد للمجتمع عرض الحائط"، حسبما ورد في البلاغات المقدمة ضدهن.
وقبل أسابيع، انتحرت الناشطة الشابة سارة حجازي (31 عاماً) في كندا التي لجأت إليها هرباً من الملاحقات في مصر، فاشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي انقساماً واختلافاً بشأن موتها، لأنها كانت تدافع عن حقوق مثليي الجنسية. وما كادت عاصفة سارة حجازي تهدأ، حتى اندلعت عاصفة جديدة عن التحرش الجنسي في مصر. وانتشرت في الأيام الماضية قصص وحكايات من ضحايا التحرّش نساءً ورجالاً، وذلك بعد أن كان الموضوع من "التابوات" والموضوعات المحظورة في مصر.

اعتقال السلطات المصرية فتيات "التيك توك" ليس حلاً، ولن يردع شبابا وشابات عن أن يحذوا حذوهن.

لوهلة، قد لا يبدو أن ثمة رابطاً بين هذه الحوادث والأخبار والحكايات، لكن بقليل من النظر والتأمل يتضح الخيط الناظم بينها، أن مجتمعاتنا تمور وتتحوّل بشكل سريع، وذلك بغضّ النظر عن محتوى هذا التحول ومضمونه وأخلاقياته. وهي تحولاتٌ لا يستطيع أحد الإمساك بها أو إيقافها، حتى وإن كانت السلطات المحلية، وكأنها أشبه بالتيار الجارف الذي إن أوقفته في مكان سينحت طريقه في مكان آخر. كذلك لا يجب اعتبار ما يجري الآن مجرّد تحوّل جيلي أو ظرفي، بل على ما يبدو هو أعمق من ذلك بكثير، ويرتبط بمنظومة من القيم وعالم جديد من العلاقات لم تتضح معالمه الكاملة بعد. وكأنه خلق جديد يولد من رحم خلق قديم. وليس ثمّة شك في أن الأمر عابر للحدود، ولا يقف عن بلد أو مجتمع معين. واللافت أيضاً أن هذه الظواهر عابرة للطبقات والتراتبية المجتمعية، فهي لا تقف عند طبقةٍ معينة، بل تتقاطع ما بين الطبقات العليا والوسطى والفقيرة، وهو ما يثير التأمل أكثر.
وكعادتها، تتعاطى دوائر السلطة في بلداننا مع هذه الظواهر، باعتبارها مسألة "أمنية"، يجب وقفها ووأدها في مهدها. ويرى القائمون على هذه السلطة أن ما يفعله هؤلاء الشباب والشابات تهديد لمنظومة القيم وخروج عن المألوف الذي يجب وقفه. وفي الحقيقة، تخشى هذه الجهات أن تكون هذه الظواهر بدايةً لتمرّد مجتمعي على سلطتها الأبوية، ما قد يهدد بقاءها، إذا استمرّت في الظهور والتأثير. لذا، ليس اعتقال السلطات المصرية فتيات "التيك توك" حلاً، كذلك فإنه لن يردع بقية الشباب والشابات عن أن يحذوا حذوهن، بل على العكس ستصبح هذه الفتيات بطلات، وضحايا التضييق على حرية التعبير. تماماً مثلما أن وقف كمال وشاكوش عن الغناء لن يقضي على ظاهرة "أغاني المهرجانات" التي أطلقها حمو بيكا وفيجو الدخلاوي وإسلام ساسو قبل أكثر من عقد، وكان الجميع يهرب منها، ازدراءً واحتقاراً أو تجاهلاً.
أنتمي إلى جيل كان يطرب لأغاني عبد الحليم وأم كلثوم وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة وفيروز، كما تشكل وعيه الفني مع موجة الأغاني الجديدة (آنذاك) ذات الإيقاع و"الرِتْم" السريع التي بدأها علي حميدة بأغنيته "لولاكي"، وظهور مدرسة حميدة الشاعري في الغناء السريع، التي أطلقت نجوم الثمانينيات والتسعينيات، أمثال عمرو دياب ومحمد فؤاد وسميرة سعيد ومصطفى قمر وهشام عباس ومحمد محيي وجورج وسّوف وحسن الأسمر ووائل كفوري ونوال الزغبي وراغب علامة... إلخ. وينتمي طلابي الآن إلى جيل بيكو وشاكوش وساسو والدخلاوي. ولربما بعد عقد أو عقدين، سيكون هؤلاء بالنسبة إليهم نجوماً كلاسيكيين يُترحّم على أغانيهم، كما نفعل نحن الآن مع مطربي جيلنا!
وهكذا، بينما تنشغل المنطقة بصراعاتها الكبرى سياسياً واستراتيجياً وطائفياً ومذهبياً... إلخ، فإن مجتمعاتنا تمور بتحولاتٍ قيمية ومزاجية وسلوكية وأخلاقية، لا ندري إلى أي المآلات ستأخذنا، ومتى وكيف.