عن كورونا والزحام في مصر

19 مايو 2020
الصورة

متطوع يثبت الكمامة لامرأة في القاهرة (20/3/2020/فرانس برس)

(1)
منذ بداية أزمة كورونا، ومع تصاعد أعداد الإصابات والوفيات في العالم، وبدء انتشارها في مصر، وأنا أحاول تجنب النزول للشارع إلا للضرورة القصوى. الزيارات العائلية أصبحت شبه منعدمة، أحاول الالتزام بإجراءات السلامة وإجراءات الحظر. أما العمل فأحاول إنجازه من المنزل قدر الإمكان. كنت متشوقا لقضاء شهر رمضان الكريم كبقية المصريين، بعد ثلاث سنوات من السجن وثلاث أخرى من المبيت المسائي في قسم الشرطة، ورمضان في مصر هو شهر الود والرحمة والتواصل والاجتماعيات. ولكن ليس كل ما يتمنّى المرء يدركه. أصبح الخروج من المنزل محظورا بعد التاسعة، وأصبحت الزيارات العائلية والتجمّعات المميزة لشهر رمضان بمثابة نشاط محفوف بالمخاطر. وعلى الرغم من تفضيلي، في السابق، استخدام المواصلات العامة ومترو الأنفاق، فضلا عن قيادة السيارة، هربا من القيادة في الطرق المزدحمة والسير البطيء، ولكن ذلك قد أصبح خطرا شديدا بسبب الزحام الشديد أيضا في المواصلات المصرية، ذلك الازدحام المزمن في القاهرة الذي لم يتوقف على الرغم من جائحة كورونا، بالإضافة إلى غياب الثقافة الصحية، وتجاهُل قطاع كبير من المصريين معايير الصحة والنظافة. ولكن، في بعض الأحيان، لا مفر من النزول لإنجاز بعض الأعمال، فأرتدي القناع الطبي، وأحيانا القفازات، ولكن ذلك غير معتاد في مناطق كثيرة. وفي بعض المناطق الشعبية يتم النظر لمن يرتدي القناع الواقي أو القفازات كأنه كائن فضائي، وأحيانا يبدأ بعضهم بالسخرية، أو يلبس رداء الواعظ ويبدأ بالتذكير بقول "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، أو يذكّرك بأن المؤمن لن يُصاب، وكله بأمر الله، والله خير حافظا... هذا صحيح بالطبع، والله خير حافظ، ويجب علينا التوكل على الله، ولكن الله قد أمرنا أيضا باتخاذ الأسباب.
(2)
أسكن في منطقة سكنية متوسطة نسبيا في إحدى المدن الجديدة، حيث عدد السكان القليل 
والشوارع الواسعة المرصوفة بالإسفلت، وبعض المساحات الخضراء القليلة، تطبق إجراءات الحظر ليلا، وتتحرك الدوريات في الشوارع، ولكن كثيرين من الأهل والأصدقاء يسكنون في مناطق شعبية، أو أخرى أكثر ازدحاما، حيث لا يتم تطبيق إجراءات الحظر من الأساس، والشوارع صاخبة ومزدحمة حتى الفجر، والمحال مفتوحة ومزدحمة، أما المقاهي والشيشة فيعمل بعضها في السر بأسلوب موزّعي المخدّرات.
تخف قبضة الحظر في مصر تدريجيا، تحت وطأة ضغوط رجال الأعمال وأصحاب الاستثمارات، فبعضهم طالب صراحة بتعويضات من الدولة، بسبب الإغلاق الذي حدث في البداية، وهناك نسبة كبيرة من العمالة غير المنتظمة في قطاعات المقاولات والتجارة، وتلك القطاعات تتأثر بشكل مؤلم بتوقف الأنشطة التجارية، فحياتهم الطبيعية تكون على حد الكفاف، وهم من الطبقات الشعبية أو الكادحة من أصحاب المهن. وفي المساء، هناك أغلبية المناطق الشعبية التي هي أغلبية تكوين المجتمع المصري، لا تعترف بالحظر وإجراءات التباعد الاجتماعي. العمال وطائفة المعمار والمهن الحرّة لا يُلقون بالاً لكورونا، ولا إجراءات الحظر إلا نادرا. يسخر بعضهم من فكرة ارتداء الكمّامة واستخدام المطهرات في أثناء الحديث أو العمل، فهم يفضّلون الموت على جوع أطفالهم ولو ليوم واحد، فهم عمال باليومية في مهن بسيطة، لا يستطيعون تحمل تكلفة إجازة طويلة بدون راتب. حاولت مرّة إقناع أحد العمال بأنه إذا مات فأطفاله أيضا سيعانون أكثر من فترة الكساد، ولكنه لم يقتنع، فلا توجد في مصر بدائل كثيرة، ولا مظلة اجتماعية فعالة، ولا توجد إعانة للبطالة، وتلك الأشياء التي نسمع عنها في الدول الرأسمالية.
(3)
ما يُحزن حقا هو تلك الممارسات الحمقاء التي يرتكبها بعض العامّة ضد بعض المصابين 
وعائلاتهم، فمثلا كانت هناك واقعة تجمهر أهالي إحدى قرى محافظة الدقهلية رافضين دفن جثمان طبيبة توفيت بعد إصابتها بفيروس كورونا، ما دفع الشرطة إلى تفريق التجمهر والقبض على بعض المتظاهرين. ورصدت تقارير صحافية كثيرة ممارسات عدائية ضد مصابين بكورونا أو ضد عائلات بعض المتوفين. حاول بعض الجيران وأهالي المنطقة طردهم بحجة الخوف من العدوى، فهناك ثقافة الجهل التي تجعل بعض الناس يتصرّفون تصرّفات همجية ضد الضحايا، على الرغم من أنهم قد يكونون في الموضع نفسه في يوم آخر، وهناك أيضا واقعة رفض أحد المستشفيات تغسيل جثمان متوفّى بكورونا، وممارسات أخرى تعتبر غريبة ودخيلة على المجتمع المصري. ويرصد المؤرخ الجبرتي (1753 – 1835)، في كتاباته أنه كان تعاضُدٌ وتآزرٌ كثيران في فترة الطاعون في مصر في عهد المماليك، وكان الناس حريصين على العمل الخيري وإطعام المصابين بالطاعون وكسائهم أو دفن الموتى، فكانت الثقافة السائدة أن المساعدة في وقت الأوبئة تفتح أبواب الجنة، ولها ثواب وأجر عظيم، وكان الناس يعتبرون ذلك البلاء بركة من الله، لكي يرسلهم إلى الجنة، ولذلك علينا الصبر والدعاء. وقد عاد الطاعون في عهد محمد علي، ولكن كان للنظام الإداري الصارم الذي أسسه محمد علي لإدارة الدولة دور كبير في التغلب على تلك الأزمة. فمنذ بداية حكمه، كان مقتنعا بأن إنشاء نظام صحي قوي سيساعد في الحفاظ على صحة المصريين وزيادة العمل والإنتاج. وعند بدء انتشار الطاعون في إسطنبول، فرض محمد علي نظام عزل صحي صارم، وفرض حظرا صحيا على السفن العثمانية، لمحاولة منع دخول الطاعون لمصر. وعلى الرغم من ذلك، وصل الطاعون إلى الإسكندرية، ففرض سياجا صحيا حول المدينة، لمنع انتشاره خارجها بكل السبل، وأنشأ مستشفيات العزل للمصابين والمخالطين لهم.
ورصدت الكتب التاريخية أيضا معلومات كثيرة خاصة بإخفاء المرض خوفا من الذهاب إلى العزل، وتسبب ذلك في إصابة قرى بالكامل بالطاعون. وهناك روايات تاريخية عديدة عن 
أوامر بإطلاق الرصاص على كل من تستّر على حالات الطاعون ولم يقم بالإبلاغ عنها، وكان كثيرون من الأهالي يدفنون موتاهم سرّا خوفا من السلطة، أو يلقون بجثامينهم في مناطق أخرى بعيدة. وكذلك كان هناك كثير من التذمّر لدى العامة، بسبب الأطباء الأوروبيين المسيحيين، الذين كانوا يظهرون وكأنهم يأمرون الأطباء المسلمين بفعل أشياء تتنافى مع شرع الله، مثل الكشف على النساء وتشريح جثث المتوفين ودفنهم في الجير الحي. وفي تلك الأثناء أيضا، كان هناك من يزعم أن الطاعون من عمل الجن، وأنها أرواح شريرة، أو أنها عقابٌ من السماء، بسبب العري والفجور الذي انتشر في بلاد الإسلام قادما مع الفرنجة.
يذكّرك ذلك كثيرا بنظرية المؤامرة التي لا يزال بعضهم يفكر بها في القرن الواحد والعشرين، فهناك من يزعم أن الولايات المتحدة هي التي صنعت فيروس كوفيد - 19، على الرغم من أنها أصبحت الدولة الأكبر في عدد الإصابات والوفيات. وفي المقابل، تجد رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، يوجه اتهامات بدون دليل للصين، على سبيل المكايدة السياسية، بأنها صنّعت الفيروس في مختبرات مدينة ووهان. ونقرأ أحيانا شطحات وتغريدات لشخصيات شهيرة في عالم الفن أو كرة القدم يزعمون فيها أن قصة وباء كورونا مجرّد خدعة من القوى السرية التي تحكم العالم. في نهاية المطاف، ليست جائحة كورونا جديدة في تاريخ البشرية، فقد حدث مثلها من قبل، مثل الطاعون والكوليرا والأنفلونزا الإسبانية وغيرها. ولكن المتوقع، كما يتحدّث محللون كثيرون، أن تتغير قواعد وأوضاع كثيرة في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.