عن قانون مثير للجدل في الجزائر

14 أكتوبر 2019
الصورة

متظاهرون في الجزائر العاصمة ضد قانون المحروقات (13/10/2019/فرانس برس)

+ الخط -
تُعتبر الجزائر بلدا ريعيا بامتياز، إذ تغطّي مداخيل النفط والغاز غالبية موارد الخزينة العمومية، وتكاد تكون المداخيل الوحيدة، بل الحصرية، بالنظر إلى فشل الاقتصاد في بناء استراتيجية بديلة، تُخرج الجزائر من الاعتماد شبه الكلّي على الرّيع، وإن يخدم ذلك السياسة العامّة للبلاد القائمة، أصلا، على إبقاء الاقتصاد ريعيا، وبالأعباء الاجتماعية لتلك السّياسة، ذلك أنّ الرّيع يعني الكثير، سياسيا، على وجه الخصوص.
احتاجت الجزائر إلى تضحيات كثيرة حتى تضمن إدماج الصّحراء، موطن تلك المحروقات، في "اتفاقية ايفيان" (المدينة السويسرية على الحدود الفرنسية، احتضنت مفاوضات استقلال الجزائر) الموقّعة في 1962، بموجبها، اتفقت الحكومة المؤقتة الجزائرية والدولة الفرنسية على البدء في إجراءات استقلال الجزائر عن فرنسا بعد 132 سنة من الاستعمار الاستيطاني البغيض. ويعود ذلك إلى أن فرنسا كانت تريد اقتطاع الصحراء والاحتفاظ بها، لما توفرها لها من موارد طاقوية وفضاء لإجراء التجارب النووية، وهو ما رفضته "جبهة التحرير الوطني"، ليكون ذلك أوّل عهد للجزائر بالصناعة النفطية والغازية، لعل مواردها تكون الأداة المالية لبناء التنمية وتشييد الاقتصاد والدولة، معا.
ولم يهنأ لفرنسا بال بعد الاستقلال، بل استمرّت في الضغط على الجزائر، دفعا لها نحو توقيع الاستغلال الحصري للمحروقات، في الجزائر، لصالح الشركات الفرنسية، وبأرخص الأثمان، محاولة منها للتقليص من سيادة الجزائر المستقلة، ومنعا من امتلاكها الموارد التي ستسمح لها ببناء الاقتصاد الجزائري، بعيدا عن دائرة التبعية لفرنسا.
سارعت السّلطة الحاكمة، آنذاك، في الجزائر، إلى اتّخاذ خطوة استراتيجية بالغة الخطورة، إذ
 أمّمت المحروقات، في فبراير/ شباط 1972، ليتبع ذلك الحظر العربي للنفط في 1973، وتصعد الأسعار إلى عشرة أضعاف السعر الأصلي. لكن ذلك القرار لم تكن له أي انعكاسات على الخطوة الاستراتيجية الثانية، وهي المبادرة ببناء اقتصاد بديل عن الريع، ليعمّ الاعتقاد بأنّ النّظام السياسي الجزائري لا يفكّر إلاّ في ضمان البقاء في الحكم، والإبقاء على مصالح نخبةٍ بعينها مع ضمان تدفق أموال الريع، تنازليا، ليس في إطار استراتيجية اجتماعية، بل في إطار شراء السّلم الاجتماعي، وشراء تحالفاتٍ مع بقيّة فئات المجتمع المؤثّرة داخل المؤسّسات الفاعلة (ما يُعرف بالوحدة القرارية)، أو من خلال توازن جهوي، وهو ما ضمن للنّظام الإبقاء على قوّته/ توازناته إلى غاية وقوع الصدمة النفطية الثانية في أواسط الثمانينيات، موقعا أزمة داخل هذا النظام، حاول إدارتها من خلال انفتاح استقطابي، انتهى إلى تعدّدية صورية، وعشرية سوداء، أتت على الأخضر واليابس.
انتهت العشرية السوداء لتخلفها، لسوء حظّ الجزائر، عشريتان شهدتا التجسيد الفعلي لمقولة اشتهرت كثيرا لاقتصادي جزائري، وإن قالها في عام 2010، ولكنها تعبّر أيّما تعبير عما أصاب البلاد من فشل، جمود وغياب/ تغييب لمعايير التسيير المعقولة والمجدية، وهي عبارة عبد الرحمان مبتول: "لم يتحرّك الاقتصاد الجزائري منذ 1963 قيد أنمُلة".
من بين ما تضمّنته تلك المقولة تشخيص لمقاربة التسيير الفعلي للقطاع المنتج الوحيد في الجزائر، وهو قطاع المحروقات، حيث سارعت السلطة إلى اقتراح قانون للمحروقات في عام 2005 وُصف، آنذاك، بأنه يرهن الاقتصاد الجزائري وموارد الأجيال المستقبلية، لتدخل الجزائر جدالا واسعا، كاد أن يتحوّل إلى ما لا يحمد عقباه، لولا تعقّل النّظام وإرجاؤه المصادقة على القانون من دون إلغائه بالكلية.
انتُقد القانون، حينها، في مضمونه الذي كان يفتح الباب، واسعا، أمام استحواذ الأجانب على القطاع، من حيث السّماح لهم بالاستثمار، والامتلاك وتحويل الأموال إلى الخارج، إضافة إلى 
فسح المجال لاستغلال الغاز الصخري، على الرغم من الأضرار البيئية، وهو ما جر مناطق الجنوب الجزائري إلى مظاهراتٍ عارمة، استمرت أسابيع، ما دفع الحكومة، أيضا، إلى التراجع، من دون إلغاء المخطّطات لذلك الاستغلال، بحجّة انخفاض الاحتياطي، وارتفاع الاستهلاك الداخلي، إضافة إلى الحاجة لموارد بالعملة الصعبة، لتعويض عجز الصادرات وارتفاع حجم الاستهلاك الداخلي.
وقد رافق ذلك الجدال الحديث حول معركة حامية الوطيس، جرت تفاصيلها داخل النّظام لإدارة ذلك الخلاف، بالنّظر إلى وجود ضغوط خارجية لفتح القطاع، خصوصا أن ذلك يتمّ في غياب أيّة استراتيجية للخروج من الرّيع النفطي، والفشل الذّريع للسياسة العامة الاقتصادية، بل وبروز الفساد والنهب الواسع لموارد الدولة من طبقة "رجال مال"، حلفاء للرئيس السابق، أُعطيت لهم الصفقات، سنوات، وفُتحت أمامهم أبواب الاقتراض من البنوك والاستيراد، بالاعتماد على أموال الخزينة إلى درجةٍ ظهرت، بعدها، بوادر الأزمة الاقتصادية الخانقة، مع تراجع أسعار المحروقات، منهيةً عهد الرئيس السابق بعد حراكٍ، ما زال مستمرّا. ولكن لتبرز، مرّة أخرى، الحاجة إلى قانونٍ للمحروقات، ربّما يستغلّ المرحلة الحرجة لفرض ما رُفض سابقا، ومن برلمان الرئيس السابق، سواء من حيث التّشكيلة أو مقاربة الوصول إلى كرسي النيابة، بل وأيضا وفق مواصفات عمل النّظام السياسي السّابق المتضمنة ممارسات الرشوة، المحسوبية والمحاصصة داخل ما كان يُعرف بالحلف الرئاسي، المتكون من أحزاب موالية لبوتفليقة الولاء التامّ والكامل.
في هذا التّاريخ الحيوي بالنسبة للجزائر، لم يكن للسلطة أن تقحم نفسها في مجال حيوي، وكان عليها، لو أرادت النأي بنفسها عن ملفٍّ محرج، ساهم في إسقاط النظام السابق، وكان من بين 
مثالبها، أن تكون الانتخابات نظيفة، نزيهة وشفافة، مفضية إلى خروج رئيس شرعي، يفتح باب النقاش بشأن مستقبل الريع، المحروقات والنموذج الاقتصادي للجزائر الجديدة.
وما زاد السّلطة حرجا أن وزيرا في حكومتها، وفق ما نشره الإعلام المحلي، وجاء على منصات التواصل الاجتماعي، تحدّث عن أن مشروع القانون الجديد للمحروقات تمت مناقشته مع الشركات البترولية الكبرى العالمية، وكأنه أراد أن يقول إن مضمون ذلك المشروع اهتم بتجسيد رغبات المال الخارجي، والذي نعرف أنه لا يريد لنا الخير، بل يريد أن يدر المكاسب على مساهمي شركاتهم، ولو على حساب إفقار الجزائريين، وإبقائهم في اقتصاد العوز والفشل، إلى إشعارٍ تراه يتناسب مع هيمنتهم علينا في إطار اللعبة السياسية الدولية الكبيرة، والتّي، كما يبدو، لا مجال لدور لنا فيها.
كتب صاحب هذه المقالة في موضوع فشل السياسة العامة وما جرّته من مآس على الجزائر، عشرات المقالات، وكتب غيرُه دراسات، كما ندّدنا كلُّنا، في 2002، غداة توقيع اتفاقية الشراكة المخزية مع الاتحاد الأوروبي وبعدها، بمناسبة قانون المحروقات الأول، في 2005، وقلنا بأعلى أصواتنا، في مداخلات ولقاءات إعلامية كثيرة، إن القرارات الحيوية لا تتخذ بدون دراسة وبدون إشراك المجتمع المدني، لأنها مسائل مجتمعية، ترهن مستقبل البلاد وقوت العباد، ولكن لم يكن يُصغى لنا كما لم يصغ لمن نادى، من قبل، بالابتعاد عن المغامرة بالاقتصاد الوطني، بل الأمن القومي بقراراتٍ مزاجيةٍ، وبدون دراسات جدوى، فضلا عن أن تكون ذات انعكاسات احتمالية، أي قد تكون إيجابية بنسبة ما.
أمّا والحال كما رأينا بالنسبة لتداعيات مشروع قانون المحروقات على الجزائر على المديين، القصير والمتوسط، إذا تمّ بالمقاربة التي تريد السّلطة تمريره بها، في هذا الوقت بالذّات، فإنّ الرّفض الشّعبي له سيزداد، وقد يترافق ذلك مع معطياتٍ بشأن معالجة احتمال إفلاس صندوق معاشات المتقاعدين، مثلا، بإجراءات أقلّ ما يمكن قوله عنها إنها مخزية ومبكية/ مضحكة، في آن، باحتمال حدوث إضرابات عشية الموعد الانتخابي المنتظر المثير، هو نفسه، للكثير من الجدل في أوساط الحراك، الطبقة السياسية والمجتمع المدني.
لماذا لا تعمد السّلطة في الجزائر إلى إرجاء الخوض في هذا القانون، وغيره من المسائل الحيوية، إلى ما بعد انتخاب رئيس شرعي يتولى، بزخم شرعيته، من مناقشة كل تلك الإشكالات، وإيجاد الأجوبة اللائقة لها، خصوصا إذا تمّت تحت قبة برلمان تمثيلي، ومع المجتمع بكل فئاته؟ فهل من مجيب؟