عن عودة "داعش" الثانية

عن عودة "داعش" الثانية

10 اغسطس 2019
الصورة
+ الخط -
زاد الحديث أخيراً عن عودة ثانية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ولعل جديد التحذيرات في هذا الخصوص، كان التقرير الصادر عن معهد دراسات الحرب في واشنطن، والذي يرصد جملة عوامل محلية وإقليمية ودولية، باتت مشجعةً لعودة التنظيم. وحقيقة، ليست التحذيرات من عودة "داعش" جديدة، إذ سبق أن تحدثت مؤتمرات وتقارير كثيرة عن ذلك، وتحديدا منذ إعلان زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، في إبريل/ نيسان الماضي، عن ثلاث ولايات جديدة في عهدة التنظيم، وإعادة هيكلة الأخير، في ظل تقارير عن إرتفاع عدد عناصر التنظيم إلى نحو ثلاثين ألف عنصر، واتساع مناطق سيطرته إلى مناطق جديدة في ليبيا وأفغانستان واليمن وغيرها من المناطق في أفريقيا وآسيا. ولعل السؤال الجوهري هنا: ما هي الأسباب والعوامل المشجعة لعودة للتنظيم؟
الهزيمتان اللتان لحقتا بمسلحي "داعش" في الباغوز شرقي الفرات في سورية في مارس/ آذار الماضي، ومن قبل في الموصل العراقية، مكانيتان، أي أنهما أدّتا إلى انهيار "الدولة الإسلامية" جغرافية ومفهوما، في حين بقي التنظيم يتمتع بإمكانات مالية وأمنية وعسكرية وإستخباراتية وإعلامية كبيرة، ولعل التغير المهم الذي حصل على صعيد آلية عمل التنظيم هو الانتقال من
 مركزية أبو بكر البغدادي إلى آلية محلية، لا مركزية، في كل ولاية يعمل فيها التنظيم، وهو ما أعطى قوة غموض لعمل التنظيم وخلاياه، وقد تجسّد ذلك فعليا، في الانتقال من أسلوب الهجوم الشامل والعلني للسيطرة على المدن والمناطق إلى ما يشبه حرب العصابات. ومن هنا، انتشر مفهوم الذئاب المنفردة، أي العمليات التي تعتمد على شخص واحد. ومع أن التنظيم فقد كثيرا من بريق شعاراته الأيديولوجية، إلا أن مؤشراتٍ توحي بأنه ما زال يتمتع بحاضنةٍ شعبيةٍ مهمة. ولعل التجمعات الكبرى للنازحين، كما هو حال مخيم الهول شرقي سورية، ساهمت في الحفاظ على هذه الحاضنة واستمرارها. وتشجع على ذلك كله جملة الظروف التي تمر بها المنطقة، فاستمرار الصراعات والحروب والفوضى في غياب الحلول السياسية والتسويات، إلى جانب الفساد والظلم والاستبداد والمحسوبية والطائفية، فضلا عن محاولة بعضهم إضفاء الشرعية على استمرار وجوده، كما هو حال الحشد الشعبي في العراق، كلها عوامل مشجعة لعودة "داعش". أبعد من هذا ، ثمّة من يرى أن الدور الوظيفي للتنظيم الإرهابي لم ينته، خصوصا أن دولا كثيرة، سيما الولايات المتحدة، تربط بقاء وجودها العسكري في المنطقة باستمرار الحرب ضد داعش، من دون أن يعني ما سبق التقليل من خطر التنظيم، وإمكانية عودته.
لا يستند الحديث عن إمكانية عودة ثانية لتنظيم داعش إلى التحليل السياسي المتعلق بسيرة التنظيم وتاريخه وفكره وإمكاناته فحسب، وإنما إلى واقع الهجمات التي شنها التنظيم أخيرا للسيطرة على حقول نفطية في محافظة صلاح الدين العراقية، ومن قبل هجمات سيريلانكا، وغيرها من الهجمات النوعية، إذ كشفت هذه الهجمات عن قدرة ميدانية واستخباراتية كبيرة للتنظيم، وعن مرونة كبيرة في التكيف مع ظروف مرحلة ما بعد انهيار الدولة بالمفهوم الجغرافي، إذ بات العنوان الجديد للمرحلة هو الانتقال من أسلوب السيطرة على المدن والمناطق إلى ضرب هذه المدن والمنشآت الحيوية. ولعل هذا ما يفسر استراتيجية انسحاب "داعش" خلال المواجهات من مدن سورية وعراقية عديدة كانت تحت سيطرته، تمهيدا للانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة التي يبدو عنوانها العام استنزاف الجميع في معركة الانبعاث من جديد.