عن شاهد فاقد الأهلية

28 ديسمبر 2018
الصورة
+ الخط -
إحدى المآثر غير المقصودة للثورات المضادة تذكيرها الدائم لنا بالثورة، عبر استحضارها مشاهد وحكايات لم يكن لها لتُروى إلا إذا تقابلت الثورتان على ناصية أحد المحكّات التاريخية للثورة. أقول هذا بمناسبة ما قيل إنها "شهادة" للرئيس المصري المخلوع حسني مبارك ضمن وقائع المحاكمة الخاصة بما باتت تعرف بواقعة اقتحام الحدود الشرقية لمصر، واقتحام بعض السجون المصرية إبّان ثورة يناير في العام 2011، والتي تُحاكم فيها قيادات من جماعة الإخوان المسلمين بالإضافة إلى حركة حماس وحزب الله، وتعود وقائع المحاكمة إلى أوائل عام 2013، حين بدأت عجلة الثورة المضادة في الدوران، تمهيداً للانقلاب على ثورة 25 يناير ومكتسباتها.
دعك مما قاله مبارك ذو التسعين عاماً، والذي حضر إلى قاعة المحكمة في حلّة كاملة، مشياً على قدميه، بعدما كان يأتيها مرتديا ملابس الاحتجاز ومحمولاً على سرير متحرّك، حين كان متهماً في قضية قتل المتظاهرين بعد ثورة يناير، قبل أن تتم تبرئته منها، بعد وصول ممثلي الثورة المضادة إلى السلطة، فالرجل لم يقل شيئاً يعتدّ به. وأغلب الظن أن ليس لديه شيء جاد يمكن أن يضيفه لما هو معروف عن هذا الموضوع الذي لا يخرج عن كونه مجموعة من الترّهات والأكاذيب التي تكررت على مسامعنا طوال السنوات الخمس الماضية، ليس لغرضٍ سوى بناء سردية مُحكمة ومتماسكة، لتشويه ثورة يناير، وتوريط جماعة الإخوان المسلمين وحماس وحزب الله (ومعها بقية أطراف المؤامرة المعروفة، وهي إيران وتركيا وأميركا... إلخ). وكان بديهيا أن يلقي مبارك اللوم على هذه الأطراف، في ما يخص قتل المتظاهرين في أثناء الثورة، سواء في ميدان التحرير في القاهرة أو بقية المدن المصرية التي شهدت مظاهرات كبيرة، كما الحال في الإسكندرية والسويس والفيوم.
أقول دعك من حديث مبارك الذي لم يقل فيه جديداً، عن قضيةٍ تفوح منها رائحة السياسة، وتملأها الثغرات والثقوب الكفيلة بنسفها من أساسها، وركّز على شرعية وجود مبارك في هذا الموقف، من الناحيتين القانونية والأخلاقية، فمن شروط الاعتداد بشهادة الشهود (هذا بافتراض أننا إزاء محكمة جادّة وحقيقية، وليست مسرحية هزيلة ومكايدة سياسية) أن يكون الشاهد من ذوي العدل، وألا يكون في خصومةٍ مع من يشهد عليه، وهي مسألةٌ لا تبدو أنها منطبقة على مبارك، فالرجل غير مؤهل للإدلاء بشهادته، كونه أولاً عليه حكم بالحبس في قضية الاستيلاء على المال العام، وثانياً كان الرجل، وربما لا يزال، من أشد خصوم جماعة الإخوان المسلمين. وبالتالي من مصلحته أن يتم تثبيت الاتهام عليها، من أجل التخلص منها. وبالتالي، فإن شهادته (هل يمكن أن تسمّى كذلك!) لا يجب أن يُعتدّ بها قانونياً أو فقهيا، كونها تخالف شرطاً أساسياً من شروط صحة الشهادة، حسب الفقه الإسلامي. أما أخلاقياً، فسِجل الرجل معروف، وهو مطعونٌ في أخلاقه، بسبب فساده السياسي والمالي الذي ليس خافياً على أحد.
وعليه، نحن إزاء مشهد عبثي بامتياز، وإنْ لا يخلو من رمزية، ويحمل رسائل عديدة، ليس أقلها تبدل المواقع ما بين الثورة والثورة المضادة أو من يمثلهما كما كانت عليه الحال اليوم، ففي الوقت الذي كان يجلس مبارك مستريحاً على مقعده، كان الرئيس المعزول محمد مرسي وغيره من قيادات "الإخوان" واقفين في قفص الاتهام. وهو مشهدٌ يتكرر باستمرار مع ما يبدو انتصاراً، ولو مؤقتاً، للثورات المضادة. ويعكس كيف انقلبت المواقف والأدوار ما بين الضحية والجلاد. وهو مشهدٌ سيظل محفوراً في الذاكرة الجمعية المصرية، ليس لمضمون ما حمله، ولكن لوزن الحاضرين فيه، ورمزيّتهم وصورتهم.