عن رمضان الزمن الجميل

17 مايو 2018
(1)

هكذا كنت أسمع صغيراً، تهانئ حلول شهر رمضان المعظم بالمدينة الهادئة التي ولدت فيها، ولا أجد شيئا يليق بالمناسبة سوى ما جادت به ذكريات عالقة في العقل الباطن، ولا صورة ترافق كلامي النابع من مشاعري؛ أجمل من صورة المسجد العتيق المحاذي لمنزلنا الذي ولدت فيه بمسقط رأسي.

عندما تدنو ذكرى أو مناسبة دينية من قلوبنا على غرار رمضان أستحضر شريط الذكريات المتلاحقة، وتمرّ صوره أمام ناظريَّ؛ فتذكرني بأيام الصّغر بمدينة مولدي "تبسة" شرق الجزائر الواقعة في الحدود الجزائرية التونسية.

يستهويني حنين الزمن الجميل ويقودني إلى زنقة "المسجد العتيق" و"سيدي بن سعيد" وما بينهما "بلاصة الديوانة" مسقط رأسي وبيت جدة أمي المتصل بشارع الكنيسة بيت جدّي من جهة والدي.

كانت فترة ثمانينيات القرن المنصرم وما تلاها من بداية التسعينيات آخر مرحلة جميلة متبقية من مدينة "تبسة" التي بها وُلدتُ وقضيت شطرا من طفولتي وما بعدها بقليل هناك قبل أن أرحل إلى مسقط رأس والدتي ومدينة أجدادها "قسنطينة".
ما زلتُ أذكر رائحة البخور والجاوية وأنوار الشموع؛ والقناديل المضاءة في البيوت القديمة ومداخل البيوت "لحواش".


وحلقات تذاكر القرآن الكريم وتلاوة الأذكار والمتون وقصيدة "البردة" في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم للبوصيري وقراءة جزء من "دلائل الخيرات"، إلى جانب المباركات والتهاني وتبادل الأطباق والحلويات بين بيوت وسط المدينة القديمة الواقعة داخل الحصن البيزنطي "السّور" قبل أن تظهر للوجود أحياء ومبان جديدة كنا لا نعدها من تبسة بل تبدو لنا بعيدة عنا، أو كما كانت تسميها جدة والدتي "الجبل" فكانت تقول لنا ساخرة: "رايحين للجبل؟" كلما انتقلنا شتاء إلى بيتنا الجديد وقتها بحي "الكورس" الذي كان أرضا شاسعة مخصصة لسباق الخيل قبل أن تبنى أواخر السبعينيات وبعضها مطلع الثمانينيات ابتداءً بحي "يحيى فارس" وما جاوره على غرار حيّنا حي ''الأساتذة''.. وبالفعل فقد سميت الأحياء الفوقية كلها بجبل الجرف فيما بعد.

(2)

كانت الزيارات والمأدبات والتهانئ ولمة العائلات تكسو سكان مدينتنا؛ وكانت الرحمات الممزوجة بطعم الاحتفالات في كل المناسبات الدينية.. ولم نكن نسمع وقتها أو بالأحرى لم نكن نشغل أنفسنا كثيرا ولا نلتفت إلى الحديث عن البدع وتكفير الناس والتشكيك في نواياهم وتحريم إحياء ليالي رمضان أو ليلة القدر أو الاحتفال بمولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو بأية مناسبة أخرى مع أننا تربينا في المساجد وفُطِمنا على صوت القرآن والأذان المنبعث من أقرب مسجد إلى بيوتنا الذي كان لا ينقطع منه الذكر "المسجد العتيق".. كان ذلك قبل أن تقسوَ قلوبنا وتجف أوردتها وشرايينها.

لا يمكنني أن أنسى ذات رمضان؛ حين شيبتني "ص" (صاد)، التي كنت أكتبها في اللوح وقتئذ، وأذكر جيدا "الشيخ حمة" الذي كان يقاطع من لا يحفظ "ثمْنه" المكتوب ويبادر إلى محوه قبل حفظه، ويعاقبه بامتناعه عن الإملاء، وإن لي مع سورة صاد مواقف عديدة، فقد كنتُ مستعجلا للوصول إلى حوار الله مع إبليس في آخر السورة، ولما وصلت إلى آي الحوار لم أتمكن من حفظه إلا بعد جهد جهيد لتشابه آياته وتكرار فعل القول فيه، فحين أرى اليوم الذين يلْحنون في كلام الله، أو يدّعون حفظه ويستعرضون عضلاتهم به في المجالس أو النوادي أو وسائل النقل، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي أو حين أكون على سفر فأدخل مسجداً لأصلي خلف قارئ يؤم الناس فأجده "يتعتع في القرآن"، أقول في نفسي مبتسما "يا أيام اللوحة وينك؟!".

لقد عشنا أياماً وليالي جميلة في كنف "مصلى سيدي بن سعيد"، أين كنا نمحو لوحة القرآن المكتوبة "بالصّمق" بمادة الصلصال تحت شجرة "التين" العالية في فناء المسجد قبل أن تُجتَث.. وشارعنا القديم "Austerlitz"، وساحة الديوانة.

كانت رائحة البخور والجاوية المنبعثة من الأزقة والبيوت القديمة تستفز مشاعري؛ تلك الرائحة التي كانت تنبئ بقدوم "العواشير" والأعياد الدينية، حينما تشعل جدّتي الكانون، ويستعدّ الشارع كله لاستقبال رمضان كأنه ضيف قادم من بعيد، وتتجهز البيوت بمؤونة الشهر من محلات وسط المدينة على غرار محل "عمّي بوجمعة لعموري"، ولزهر بيازة المدعو "لزهر Papa"، وتفرش الأزقة المحيطة بالمسجد العتيق بالحصير أو السّجاد لأداء الصلوات، لاسيما في أوقات الجمعة لمّا يكون المسجد مكتظا بالمصلين، وتفتح قاعة النساء السفلية المقابلة لمطهرة المسجد، تلك القاعة التي طالما اصطحبتني جدة والدتي إليها، إذ كانت تعلم فيها القرآن باللوح والقلم، فكنت أغفو على صوت القرآن في حلقة "التكرار"، ولا أستفيق إلا على ختم "ربع يس" وتوزيع "الزلابية"، أو حلوى ملونة تحضرها جدّة أمي لمن ختمن ربع القرآن حفظا، كانت تعرف بحلوة "العزايز" (العجائز) في تبسة.

(3)

للتبسيين الأقدمين خصوصيات وعادات مقدّسة، لاسيما الذين يسكنون المدينة القديمة، بين أركان الحصن البيزنطي: في شارع الكنيسة، وساحة الديوانة، وما بينهما (Austerlitz)، وشارع الرسول المجاور لنا (أين يقع منزل مالك بن نبي)، وساحة كارنو (البلاصة)، وزنقة المزابية، وزنقة الشوّاية، حتى التبسيين المقيمين خارج الأسوار: بحي المدارس، والفوبور، ولاكومين، وجزء من الزاوية القديمة، وباب الزّياتين، والكنيسية.. وما دونها كان يبابا، تقيم فيه الغربان والنسور وتتخذ منه طيور "البلارج" أعشاشا لها، على غرار "المرجة"..

كلنا نشترك في عادات قديمة توارثناها عن الأجداد، بيد أن ساكني قلب المدينة القديمة أكثر خصوصية من غيرهم.. إذ لهم طقوس خاصة في مثل هذه المناسبات بل في حياتهم كلها..

هناك الكثير الكثير من ذكريات الزمن الجميل بمسقط رأسي؛ ومن اللمسات الإنسانية والوازع الديني الذي كان يجمعنا في رمضان وفي المولد النبوي الشريف ومناسبات كثيرة كما يطلق عليها التبسيون "العواشير".

كلها كانت فطرة ويقينا نفتقدها الآن في زمن كثرة المساجد المزخرفة المبنية ببذخ وإسراف كبير والقلوب خاوية، في زمن شيوخ الفضائيات والمكيفات والخمس نجوم وكثرة الفُتيا والتحليل والتحريم وتضليل الناس.

كان الناسُ أمَّة واحدة، في زمن سلامة النوايا، وصفاء السرائر، وتوحّد القلوب؛ زمن الفطرة النقية، الجميع يعرفون الله ويحبونه كما يعرفونه. هذا ما شهده جيلنا الفتي بحداثة سنه، ولو سألنا من سبقونا لقالوا أكثر في ما مضى من عهدهم الأجمل والأروع.

دلالات