عن حقيقة النكسة

08 يونيو 2015
الصورة

مقاتل من كتائب القسام في غزة (12أغسطس/2015/الأناضول))

تمر ذكرى نكسة عام 1967، مع هجاء كثير للأنظمة التي تسببت بحصولها، وبالطبع، لا يمكن تجاوز ما أنتجته النكسة من إشكالات، لكن نقدها، في الغالب، ينطلق من موقع الخصومة مع الحقبة الناصرية، لترويج مشاريع مضادة لها، من دون عمل مراجعة حقيقية لما تعنيه النكسة، في ظل الواقع العربي الحالي. كانت حرب الأيام الستة، المعروفة بالنكسة، مَعْبَراً لكثير من المثقفين والأنظمة العربية، إلى إحداث انقلابٍ كامل في رؤية الصراع مع إسرائيل، واستخدام هذه الحرب، والمبالغة في تصوير كارثيتها، لترويج فكرة الواقعية السياسية التي تقتضي الاعتراف بإسرائيل، وتحسين شروط الهزيمة أمامها، على الرغم من أن نتائجها لم تتكرر لاحقاً على مدى ما يقارب خمس عقود، في أي حرب خاضها طرف عربي مع إسرائيل. 

هناك من يتذكّر النكسة، ويحيل أسبابها إلى الاستبداد وغياب الديمقراطية، إما مكايدة لنظام جمال عبد الناصر، أو إيماناً رسالياً بالديمقراطية. وفي الحالتين، تعتري السذاجة هذا الترويج للديمقراطية، فلا علاقة لهزيمة عسكرية بالاستبداد والديمقراطية، فلا الديمقراطية حل سحري لكل الإشكالات، على الرغم من الحاجة لها في واقعنا العربي، ولا الدول الديمقراطية تنتصر دائماً في الحروب، أو تنهزم أنظمة الاستبداد دائماً في معاركها العسكرية، وقد رأينا دولاً ديمقراطية، تُمنَى بالهزائم في أماكن متعددة، ما يعني أن القضية لا تتعلق مباشرة بشكل نظام الحكم، بقدر تعلقها بالتنظيم العسكري وظروف المعركة، والإعداد الجيد لها، وهو ما كان مفقوداً في هزيمة عام 1967.
أهم خطابٍ يحرص على تذكر النكسة، والتذكير بها، هو خطاب الواقعية السياسية، الذي يرفض خيار المواجهة مع العدو الإسرائيلي، ولعل أهم ما يمكن أن يطالعنا، في هذا الخطاب، اعتبار نكسة يونيو/حزيران الهزيمة النهائية لكل مشروع عربي مستقل، يسعى إلى مواجهة العدو، وعليه، فإن المطلوب، اليوم، هو عدم العودة إلى خيار المواجهة، لأنه انتهى تماماً، وهو الذي جلب النكسة، لكن أحداً من هؤلاء لم يسأل نفسه: أين هو المعنى الحقيقي للنكسة خلال العقود الخمسة الماضية؟
تُهزم الأمم في معارك، لكنها لا تستسلم في الحرب، وهكذا، فقد كان الخيار بعد هزيمة 1967، هو اللاءات الثلاث في الخرطوم، ثم الانخراط في حرب الاستنزاف، لتعويض الهزيمة، والإعداد لمعركة كبيرة، يتم فيها استعادة الأرض المحتلة، ويعبر هذا الخيار عن عدم الاستسلام للهزيمة، مهما كانت قاسية، بينما يمكن مطالعة الحقبة الساداتية، لفهم حقيقة النكسة والهزيمة الكبرى التي مُنِيَ بها العرب، عبر نهجه الاستسلامي، الذي تم ترويجه تحت عناوين مثل التنمية، وتحقيق الرخاء والرفاهية، لكن نتائجه تمثل النكسة في أوضح صورها.

قرر نظام السادات، ومن بعده أنظمة عربية أخرى، اعتبار قضية فلسطين ملفاً خاصاً بالفلسطينيين وحدهم، بفصله عن عمقه العربي، والضغط على الفلسطينيين لقبول تسوية مذلة مع إسرائيل، برعاية أميركية، وتجزئة الصراع العربي الإسرائيلي إلى ملفات منفصلة، سورية ومصرية وأردنية، تقوم على تسوياتٍ منفردة في كل ملف، وانتهى الأمر بمن وقّعوا اتفاقيات السلام المذلة مع إسرائيل إلى تغيير موقعهم في الصراع، ومصر بالذات نموذج لهذا الأمر، فبعد أن كانت تقود المواجهة مع العدو الإسرائيلي في عهد عبد الناصر، وتُهزم في معركة، باتت مع النهج الاستسلامي، حليفاً لإسرائيل في الصراع، تضغط على الفلسطينيين للقبول بالشروط الإسرائيلية، وتشارك إسرائيل في حصار المقاومة الفلسطينية، وتزايد على إسرائيل في عداء هذه المقاومة، كما شهدنا في حرب غزة أخيراً.
وفي مقابل تغيير الموقع داخل معادلة الصراع، انحدرت مصر إلى الأسوأ، فبعد أن كانت تعيش مشروع نهوض اقتصادي، يهتم بالتصنيع، ويشير إلى دولة صاعدة اقتصادياً، باتت دولة تعيش على المساعدات المالية، في ظل عجز اقتصادي شامل، ولم يوفر نهج السادات، ومن جاء بعده، ما وعد به من رخاء اقتصادي، بل ضرب الاقتصاد المصري تحت عناوين الانفتاح الاقتصادي والخصخصة، فزاد الفقراء فقراً، ودمر المجتمع المصري، ولم يحقق أي ديمقراطية، عدا الوجود الديكوري للأحزاب السياسية، وسط سطوة الحزب الحاكم، وفساده الذي لا ينتهي. ثم قضى هذا النهج على كل دور مصري في الإقليم، وعلى علاقات مصر وتحالفاتها الدولية، بتسليم مصر إلى الأميركيين والإسرائيليين. واليوم، نرى بوضوح، كيف أن جماعاتٍ خارج الدولة، في المشرق العربي، تلعب دوراً أهم من الدور المصري، في الساحة العربية.
النكسة، في حقيقتها، هي نهج كامب ديفيد، وليست خسارة معركة، مهما بدت هذه الخسارة قاسية ومريرة، فخسارة معركة لا تطيح استراتيجية المواجهة، بل تحث على مراجعتها، وأخذ العبر من الهزيمة لتحسينها، لا إطاحة كيان الأمة، وكرامة شعوبها، وجعل أنظمتها حراساً لمصالح عدوها.
توفر مراجعة نهج عبدالناصر، ومقارنته مع نهج من بعده، الكثير من الحبر المستخدم في تضخيم هزيمة يونيو، فالنكسة بدأت من الاستسلام للخطاب الصهيوني، والنكوص عن مشروع النهضة، وصولاً إلى الحالة المصرية الراهنة، ونحن نعلم أن حركات المقاومة العربية هزمت إسرائيل، خلال العقدين الأخيرين، والهزيمة العسكرية أمكن تعويضها. لكن، كيف نقرأ حالة النظام العربي الرسمي، وانهياره الشامل، من دون اعتبار نهجه نكسة كبرى؟
تعليق: