عن حال الربيع العربي
يعتقد بعضهم أن الربيع العربي أدى إلى عكس تطلعات الشعوب وأشواقها، فقد كانت تتطلع فيه إلى تأسيس مشروع مجتمع يقوم على العدل والمساواة والعيش الكريم، إلا أن الملاحظ في دول كثيرة عرفت الربيع العربي أن الشعارات التي حلم بها العربي، منذ سنوات طويلة، لم يتحقق منها شيء. بل ضاعت المكاسب التي كانت متوفرة، وكان العربي يفتخر بوجودها قبل الثورات العربية، أي أن الوضع انتقل من سيئ إلى الأسوأ. ولعل أبرز مثال على ذلك الحالة المصرية، فالمصريون أصبحوا ينظرون إلى عهد الرئيس المخلوع، حسني مبارك، بأنه ذهبي، مقارنة بالأيام الحالية للرئيس الانقلابي، المشير عبد الفتاح السيسي، فثورة 25 يناير، للأسف، لم تحقق وعودها من حرية وعيش وعدالة اجتماعية، بقدر ما كانت سبباً في تجديد النظام القديم نفسه في ثوب آخر، فقد حدثت انتكاسة كبرى في مجال الحقوق والحريات، وعاد الحكم الأمني بصورة رهيبة.
وقد يقول قائل إن الثورة المضادة انتصرت على الثورة بعد 30 يونيو و3 يوليو، عندما استدعى الانقلابيون الشعب، من أجل تنفيذ مؤامرتهم بالانقضاض على ثورة شعب وحلم جماهير، لذلك، فالحكم على فشل التجربة الثورية العربية سابق لأوانه، ويحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت. كما أنهم يقولون إن العربي المسكين ضحّى بما هو موجود، للحصول على ما هو مفقود، فما حافظ على الأول، ولا تحقق له الثاني، ويمثلون على ذلك بالأمن والاستقرار، حيث أصبحت الأقطار التي هبت عليها رياح الربيع العربي تعاني الفوضى واللااستقرار، بسبب ضعف المنظومة الأمنية حيناً، وبسبب عدم وجود مظاهر الدولة التي ترهب الفاسدين وأصحاب النيات السيئة حيناً آخر، كالحالة الليبية، مثلا.
ويزيد أصحاب هذا الاعتقاد بأن الربيع العربي أدى إلى ضياع أوطان وتدميرها، وربما إلى تقسيمها في الأيام المقبلة، ويحمّلون الشعوب الساذجة، على حد وصفهم، مسؤولية ذلك، لأنها أعطت الأعداء فرصة من أجل تنفيذ مشاريعهم التقسيمية، فسورية، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الصراع، تجد شعبها مشرداً، ووطنه مدمراً ولغة طائفية مقيتة، تنخر كل شيء، والعراق مقبل على التقسيم لا محالة إلى ثلاث دول: كردية، وسنية وشيعية، وذلك بعدما تنافرت القلوب والعقول. واليمن يبحث عن ذاته، يبقى موحداً أم ينفصل جنوبه عن شماله، وما مصير الصراع مع الحوثيين؟ وليبيا تعيش على وقع صراعات ميليشيوية، همها الوحيد السيطرة على الحكم. أما تونس الخضراء، فالإرهاب يهددها من كل جانب، أضف إلى ذلك ظهور إمارات ودول تحاول إحياء الخلافة من جديد، وإعادتنا إلى الزمن الغابر.
وفق هذا الرأي، الثورات العربية هي "أم المصائب كلها"، فهي السبب في كل ما يجري من قتل للإنسان وتدمير للأوطان، بتقسيمها وتفكيكها، وهي التي جلبت حلف الناتو إلى ليبيا، وهي سبب ظهور الفتنة الطائفية والمذهبية، وسبب ظهور التنظيمات الإرهابية التي تتخذ من الدفاع عن المذهب والطائفة والدين مشروعية وجودية، وهذا كله بسبب الربيع العربي الذي أصبح يصور لنا بأنه مؤامرة خبيثة، سعى إليها العدو الداخلي مع أعداء الخارج. وينسى أصحاب هذا التوصيف أن التطلع إلى الحرية مقدس ومشروع، ويتماشى مع الفطرة الإنسانية، والشعوب العربية انتظرت كثيراً دولة الحق والقانون الموعودة، إلا أنه، مع مرور الأيام والسنين، اكتشفت زيف الوعود، بل زاد القهر والظلم اشتد، وأصبح الحاكم العربي ينظر إلى شعبه نظرة السيد إلى العبد، فأدركت أن الحرية تؤخذ ولا تعطى، حيث صاحت قائلة: "للحرية الحمراء باب، بكل يد مضرجة يدقّ "، وصدحت بأعلى صوتها "الشعب يريد إسقاط النظام".
والسؤال الذي يطرح هنا: هل الربيع العربي، وما آل إليه، مؤامرة حقاً؟ إذا كانت هناك مؤامرة تستحق الذكر، فهي مؤامرة هذه الأنظمة على شعوبها وأوطانها، وإلا فكيف تفسر اختلاف هذه الأنظمة بين بعضها في كل شيء وفي كل وقت، تصل، أحياناً، إلى المقاطعة والحرب الكلامية، إلا إنهم يتفقون أيام الخطر الداهم، ليس الخطر الذي يكون مصدره الخارج فهم أيضاً مختلفون تجاهه، بل الذي يأتي من الداخل، لأنهم، ببساطة، يرون هذه الشعوب مجرد خدم خلقوا لخدمة أسيادهم، السادة الملوك والرؤساء، وتقديم فروض الطاعة والولاء لهم، وأي خروج منها عن هذا السياق، فهي شعوب آبقة تستحق أشد العقاب.
إن محاولة تحميل ثورات الشعوب العربية مسؤولية ما آلت إليه أقطار عربية عديدة من فوضى ودمار وفتن، هي محاولة يائسة من الذين يحاولون تبرئة ساحة أنظمة الاستبداد العربي، فالمسؤول الأول والأخير عن القتل الذي يلحق بالبشر، وعن الدمار الذي يطال الأوطان، وعن جماعات التطرف والإرهاب التي تظهر هنا وهناك، وعن الفتن الطائفية والمذهبية، المسؤول عن ذلك كله هو الأنظمة التي لا تعترف بوجود شعوبٍ، من حقها أن تعيش مثل بقية شعوب العالم، لها أمال وطموحات، وأحلام وأشواق تريد تحقيقها.
كما أن الاستبداد هو الذي يتواطأ مع جماعات التطرف والإرهاب لإثارة الفتن، لوقف التغيير الثوري الذي أطاح أنظمةً، جثمت على صدر شعوبها أكثر من أربعين عاماً، فالفتن، إذن، أحسن وسيلة من أجل تعطيل توجهات الثورة، وكبح جماح تطلعات الحرية، ومنع أي محاولة لتفكيك أنظمة الاستبداد والتسلط الداخلي والخارجي. في هذا الشأن، يقول الكاتب الجزائري مصطفى هميسي: "الفتن تعطل توجهات الثورة، وكل تطلعات الحرية، وتعمل على وضع كل ما يمنع بدء أي عملية تفكيك أنظمة الاستبداد والتسلط الداخلي والخارجي".
والسؤال الآخر الملح هو: هل يمكن أن تكون هذه الجماعات التي تمارس القتل البشع في حق المختلف في الدين والطائفة والمذهب هي "صناعة أنظمة"، لتشويه الربيع العربي، ووقف عملية التغيير؟ كل شيء ممكن، خصوصاً من هذه الأنظمة، أنظمة الخزي والعار، فهي مستعدة لأن تضحي بكل شيء في سبيل بقائها في سدة الحكم، والمشهد السوري أمامنا، فمن أجل عيون الأسد وعصابته يشرد شعب ويدمر وطن.