عن ثورة شعب وثقافة تداول السلطة

عن ثورة شعب وثقافة تداول السلطة

29 أكتوبر 2014
+ الخط -

لا خاسرين في تونس. شعب تونس ربح الرهان على مسار الديمقراطية والتعددية وقبول واقع الاختلاف والتنوع الذي جسده في اختياره مجدداً لممثليه في البرلمان، الذين يجسدون صوته في الجمهورية الثانية. استطاعت تونس ونخبها، بعد مخاضٍ سياسي كبير في الفترة الانتقالية، تم بعده تأمين خروج آمن للجميع في انتخابات نيابية حرة ونزيهة وشفافة، مارسها الشعب أمام أعين الجميع، وبالاقتراع العلني الحر، والذي مارسه الشعب، ولن تكون، هذه المرة، مجرد انتخابات مرحلة انتقالية، مهمتها الحفاظ على الأمن، أو تأمين انتقال سلمي للسلطة فقط، بل الوقوف أمام مطالب هذا الشعب الرائع.

استطاعت تونس أن تحافظ على نموذج الثورة الفعلية، والتي كانت طليعتها في ربيع الثورات العربية، على الرغم من تعدد التوجهات الداخلية لأنسجتها وشرائحها، بل تمكنت من الحفاظ على نسيج المجتمع التونسي المختلف، والمتعدد الأفكار والتوجهات والأيديولوجيات، وأن تخرج من أتون مأزق الحرب الأهلية، ونار التطرف المذهبي التي وقعت فيه أغلب دول الثورات العربية. فالثقة العالية لدى النخب التونسية مكّنتها من الحفاظ على الثورة التونسية ومكتسباتها، وأن يبقى بريقها ولونها مستمراً في الأوساط العربية والداخلية، لتكون تجربة ثورة وشعب حر.

هنيئاً لحركة النهضة التي ربحت ذاتها، وأثبتت نضجها وفهمها واقع تونس والعالم، وتميزها في إطار التيار الإسلامي قوة ديمقراطية حقيقية، حافظت على هذا المفهوم الصحيح. هنيئاً للتيارات الليبرالية والعلمانية واليسارية والقومية التي أثبتت، أيضاً، تفهمها واقع تونس، وفرضت بتصميمها وتحركاتها الدؤوبة حماية المسار الديمقراطي الذي وصلت إليه تونس اليوم. هنيئا للمرأة التونسية التي أثبتت تميزها قوة ديمقراطية فاعلة. هنيئاً لشباب تونس الذين استطاعوا فرض مفهوم التغيير الحقيقي بفرض ثقافة الاقتراع والانتخابات والانتماء لبلد عربي وإسلامي.

الانتخابات التونسية، بحد ذاتها، تعطي لنا جميعاً، ولكل القوى والشرائح الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، مثالاً على التجربة الديمقراطية التي سجلتها بكل أطيافها وقواها المتعددة. والتي جمعها شعار واحد لبناء تونس المقبلة. هذه التجربة بريق أمل جديد لكل الشباب العربي الذي خرج إلى ساحات التغير، للوصول إلى هذا الحلم الواقعي الذي يجسده شعب تونس. فالنجاح المميز في الانتخابات يجدد الثقة بالنفس بأحقية الثورات العربية التي تواجه بشتى أنواع القمع والبطش البشع لشعوب طامحة إلى الحب والحرية، ولأن الصراع الحقيقي يثبت نفسه يومياً، بأنه صراع بين القوى الصاعدة التي تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وبناء دولة مدنية، تشارك فيها كل الأفكار المختلفة لشعب واحد في وطن واحد، وبين دولة قديمة هرمة، تحاول عدم الاستسلام واستخدام كل الوسائل البشعة الداخلية والخارجية، وإفشال ولادة هذه الدولة الحديثة، من أجل بقاء وسيطرة الديكتاتورية الأمنية والعسكرية وسيطرتها على السلطة، من خلال القمع المفرط لحماية عروش حكامها.

لكن، تونس وشعبها من جديد يجددون مفهوم التغير، ويعمدون ثقافة تداول السلطة، وتحمل المسؤوليات بمشاركة الجميع في إدارة الدولة ومواردها، وتحمل مسؤوليتهم أمام شعبهم الذي منحهم ثقته بهذا العرس الوطني.

avata
خالد ممدوح العزي (لبنان)