عن تدخلات فرنسا

27 مايو 2019
عندما تتحرك فرنسا بنعرة استعمارية، ورغبة في إحياء طموحاتها التوسعية في شمال أفريقيا وأفريقيا بكاملها، ومناطق عديدة، فهذا يؤكد الفشل المسبق لمشروعها، إذ كل أوراق فرنسا ومخططاتها انكشفت، وما عاد هناك شيء مخفي عن المواطن البسيط، فما بالك بالأحرار والأقلام الحرّة والمناضلين ضدّ الاستعمار الفرنسي؟
يرى الرئيس الفرنسي ماكرون في نفسه بونابرت جديداً. ولكنه لم ينتبه إلى أن حركته عرجاء ويشوبها الخلل، إذ إنّ فرنسا اقترحت سابقاً على تونس إبان قيام الثورة، عبر إرسالها وزيرة دفاعها بتقديم دعم عسكري ولوجستي، لكي تحصر الفوضى في تونس على حد تعبيرها. وهي في الغالب متخوفة على الثروات الباطنية وشركاتها البترولية، ومن تقلص حصّتها في تونس ونفوذها هناك. بعدما شنّ نشطاء في المجتمع المدني وسياسيون حملة "وينو البترول"، خصوصاً بعدما طالب نواب عديدون بإعادة النظر وإعادة صياغة عقود النفط والمحروقات وكل الثروات الباطنية، بما يخدم مصلحة البلاد قبل الشركاء والتثبت من البنود القديمة. ومن ثم سياسة استعمارية صرفة، حتى إن سفيرها تجده في كل المناسبات وكل التظاهرات أكثر من مسؤولين في البلاد هم في سبات عميق، وفسحوا له المجال بكل غباء سياسي، وهناك من يدعمهم ويقف معهم من أيتام فرنسا. واعتبر نشطاء أن تحرّكاته مريبة، وجديدها طرده من ولاية قفصة.
ادعت فرنسا وقوفها مع الديمقراطيات الناشئة في تونس، وهي تكذب وتنافق، بل أتت لحماية مصالحها هنا، حتى لو كلف الأمر استدعاء الإرهاب، مثلما فعلت وتفعل في تونس وغير تونس، وإذا لزم الأمر اغتيال سياسي لإعادة خلط الأوراق، وبعثرة الملفات من جديد في المنطقة.
لن تتخلى فرنسا عن مستعمراتها وثروات مستعمراتها بكل سهولة، ومن دون التعويض أو إيجاد البديل. لنرجع بالذاكرة ونتذكر أن معمر القذافي، صرّح قبل مقتله، ومع قيام ثورة 17 فبراير دعم ساركوزي في حملته الانتخابية في فرنسا، ثم طالبت ليبيا بإرجاع الأموال. وهذا ما يفسر التدخل السافر لفرنسا في ليبيا ودعمها خليفة حفتر، وما تسمّى عملية الكرامة، التي جعلت من بنغازي بغداد. والآن يقصف طرابلس في عملية جديدة لحفتر بدعم فرنسي إماراتي سعودي مصري.
عندما قام الحراك في الجزائر، وفي ظلّ رياح السترات الصفراء، سألنا أنفسنا: هل انقلب السحر على الساحر؟ حيث الصدمة في باريس كانت كبيرة، وربما لم تستوعب إلى الآن ما يحدث في الجزائر، وخصوصاً مع إصرار الحراك في الجزائر على اقتلاع كل من يتبع فرنسا ويواليها. ومن ثم إنشاء منظومة جديدة، قادرة على الحفاظ على كرامة الجزائر واستقلالها، والمقصود الاستقلال في القرار السياسي من جهة، والاستقلال الاقتصادي ورفض الوصاية الفرنسية عليهم.
نلحظ في كل تحرك أو تصرف فرنسي وجود عقليتها الاستعمارية وعنجهيتها السياسية، فهي تصدر عن أزماتها الداخلية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتوزعها هنا وهناك، وتدعم ذلك على حساب ذاك، وترحب بواحد وتغضب من آخر. فلماذا فرنسا لا تستفيق، وتعلم أن الأوضاع ليست كالسابق؟ وأن فكرة المستعمرات أصبحت شبه مستحيلة في ظل استفاقة شعوبنا ووعيها بضرورة قطع يد فرنسا من أراضيها ولجم نفوذها وتحجيم وجودها على أراضيها، بما يخدم مصالح بلدانهم ودولهم؟ متى تستفيق فرنسا؟
تعليق: