عن تجسّس فلسطينييْن

25 ابريل 2019
الصورة

(Getty)

+ الخط -
أدّى السوري زياد عدوان دورا ثانويا جدا، في فيلم "خلية هامبورغ" (أنتج في العام 2004)، وهو فيلم عن مشاركة اللبناني، زياد الجراح، في اعتداءات "11 سبتمبر"، ضمن مجموعة شبان، كان قريبا منهم شابٌّ فلسطيني، طلبوا منه أن يكون معهم، تخطيطا وتنفيذا، فرفض، لأن قضيته الفلسطينية أوْلى به، وأجدى أن يعمل من أجلها، على ما قال، بلسان الممثل زياد عدوان، في الفيلم، المهم والمتقن، والذي بنى مخرُجه الإيرلندي، أنطونيا بيرد، تفاصيلَه، من مصادر موثوقة. ولكن حكايةً منقوصة الدلائل والقرائن، شديدة الحساسية، يكتبها (ينقلها على الأصح) السياسي الأردني، عدنان أبو عودة، في كتاب يومياته (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017) تعني، إذا صحّت، أن الفلسطيني قد يرتضي أن يكون مأجورا في مهمةٍ وسخة. موجز الحكاية أن واحدا من معارفه أخْطَره، يوما في أكتوبر/ تشرين الثاني 1979، بأن قائد سرايا الدفاع في سورية في حينه، رفعت الأسد، خطط لقتل عناصر وقياديين سوريين من "الإخوان المسلمين"، كانوا يقيمون في الإمارات، بأيدي فلسطينيين، بحسب اتفاق المذكور مع قيادي يساري فلسطيني، ثم انكشف هذا التدبير، واستاء منه حافظ الأسد الذي لم يكن يدرِي به (على ذمة الراوي). 
بعيدا عن حكايةٍ مثقلةٍ بشكوكٍ بصدقيّتها، وعن عبارةٍ عابرةٍ في فيلم تلفزيوني (ليس سينمائيا) لمخرج إيرلندي، وقريبا منهما أيضا، تعلن السلطات التركية اعتقالَها فلسطينييْن في إسطنبول، وتذيع اسميْهما وعمريْهما وصورَ لهما تفاصيلَ عنهما. ويوجّه لهما المدعي العام الجمهوري تهمة "الحصول على معلوماتٍ سرّيةٍ خاصةٍ بالدولة بغرض التجسس السياسي والعسكري". وعلى ذمة صحيفة ديلي صباح، وصلت المخابرات التركية إلى أجهزة حاسوبٍ مشفّرةٍ لهذيْن الجاسوسيْن لصالح دولة الإمارات، ويرتبطان بالقيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، المقيم في أبوظبي والمحظيّ لدى الحاكمين فيها. وبحسب الصحيفة، تم التثبت من نشاطاتٍ مشبوهةٍ لهما، مقابل مبالغ وتحويلاتٍ ماليةٍ وصلت إليهما من بنوكٍ في الإمارات. ومما كانا مكلفيْن به الحصولُ على معلوماتٍ عن الإخوان المسلمين المصريين (وغيرهم) في تركيا. ويجري في التحقيقات مع الرجلين (أحدهما كان مسؤولا في المخابرات الفلسطينية)، التيقن مما إذا كانت لهما صلةٌ بجريمة قتل جمال خاشقجي.
ومن الحصافة أن يستقبل واحدُنا أخبارا من هذا اللون بحذر، وأن يحاول العثور على أي دفوعٍ تذيعها الجهات المتهمة. وإذا تعذّر ذلك، أن يتابع ما قد يُشهره مقرّبون من هذه الجهات، أو أوساطٌ حواليها، أو صحافيون ومعلقون محسوبون عليها. اعتصم كل هؤلاء بالصمت، ولم يكن متوقعا أن تكترث حكومة أبوظبي بمسألةٍ كهذه، فالمقبوض عليهما فلسطينيان مرتزقان، فلم تتيسّر سوى تغريدات ومنشورات، توهّم أصحابُها، أنهم بالتنكيت على "ألاعيب أردوغان"، يُبعدون التهم الثقيلة التي أذاعتها أنقرة، وخُيّل إليهم أنهم أرفع منزلةً من أن ينشغلوا بإيضاح حقائق مضادّة بشأن المقبوض عليهما، وما رماهما به الادعاء العام في أثناء تحقيقاتٍ متواصلة. ولأن حال هؤلاء هو هذا، يبقى منتظرا، أو مطلوبا على الأصح، من السلطة الوطنية الفلسطينية أن تقول شيئا في الموضوع، فالمشبوهان فلسطينيان، وجوازا سفرهما فلسطينيان، بل من الواجب البديهي أن تتابع قضيتهما، فتتواصل مع السلطات التركية بشأنهما، وتقوم بتنوير الرأي العام الفلسطيني، المصدوم مما ذاع عنهما، وقد ارتضيا أن يكونا مأجوريْن، وهو أمرٌ لا يعني سوى أن محمد دحلان لا يكتفي بالتحاقه في رهاناتٍ معلومة الوساخة، تنشط فيها أبوظبي والقاهرة، وإنما أيضا يعمل على استغلال شبان فلسطينيين، تاهت بهم المقادير، وأخذتهم تعاسات النفس الإنسانية المُستَضعفة إلى البحث عن لقمة عيشٍ مغموسةٍ بذلّ الارتزاق، إذ يعمل هذا الرجل على امتهان من ورّطتهم الدنيا بأن يكونوا رخيصين بين يديه.
لا بأس من شيءٍ من التعاطف مع ضحايا محمد دحلان الذين انتقى منهم ذينك المشبوهيْن اللذيْن سيكون مبعث سعادة إذا صحّ لاحقا أنهما بريئان، وأن المسألة لا تعدو اشتباها بهما في غضون حربٍ ليست خافيةً بين محاور معلومة. ولكنها البعرة إيّاها التي تدلّ على البعير تدل أيضا على ابتذالٍ ارتضاه فلسطينيون لأنفسهم، لمّا اختاروا "الشغل" مع محمد دحلان ومشغّليه، ولا تقيم في جوانحهم قولة زياد عدوان في "خلية هامبورغ".

دلالات