عن بشاعة التهميش والفقر في أميركا

15 يونيو 2020
الصورة
مظاهرات ضد العنصرية (Getty)
+ الخط -

تسبَّب مقتل مواطن أميركي أسود يدعى "جورج فلويد" خنقًا تحت ركبة شرطي أبيض بكشف مدى عمق أوحال الفقر والتهميش في أميركا للعالم أجمع، وتتمثَّل القطرة التي أفاضت كأس المعاناة ووضعت حدًّا لصبر المواطنين السود في قيام الشرطي الأبيض بالاعتقال العنيف والمميت لفلويد الذي استعمل ورقة نقدية مزوَّرة من فئة 20 دولارًا والذي تمَّ الاستغناء عنه مؤخرًا وتسريحه من وظيفته كحارس في مطعم في ولاية مينيسوتا بسبب جائحة كورونا التي قطعت أرزاق الملايين حول العالم.

وهكذا أدَّت التوليفة المفخَّخة من انعدام الأمن الوظيفي والفقر والعنصرية إلى حدوث انفجار اجتماعي مدوٍ وإشعال فتيل سلسلة من الاحتجاجات وتعميق الشرخ بين المواطنين السود والطبقة الحاكمة بقيادة دونالد ترامب حاليًا والذي لا يهتم سوى بالنجاح في انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

على الرغم من أنّ الأميركيين الأفارقة يشكِّلون حوالي 13 في المائة فقط من السكان حسب إحصائيات سنة 2019، إلاّ أنّهم يمثِّلون 60 في المائة من جميع الوفيات جرّاء كوفيد-19 والعنصرية التي تحدّ من قدرتهم على الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، كما أنّهم الأكثر تضرُّرًا من الناحية الديموغرافية عندما يتعلق الأمر بالبطالة الجماعية التي تسبَّبت بها جائحة كورونا.

ومنذ توليه رئاسة الولايات المتحدة، لم يفعل ترامب شيئًا لمعالجة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والصحية التي يعاني منها الأميركيون من أصل أفريقي منذ عقود ولم يخطُ خطوة واحدة نحو إنهاء العلاقة الراسخة بين الفقر والتهميش وحياة السود، وكأنّه متفائل جدّا بهذا الفيروس الفتّاك الذي لا يتعدَّى عمره بضعة أشهر ويساعده في القضاء على هذه التركيبة السكانية التي تفضِّل عدم التصويت له.
ويمكن تلخيص عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين مجتمعات البيض والسود في الولايات المتحدة الأميركية بالأرقام التالية، فحسب أرقام مكتب إحصائيات العمل الأميركي "U.S. Bureau of Labor Statistics"، قُدِّر متوسط ثروة الأسر البيضاء من أصل غير إسباني بـ171 ألف دولار في عام 2016 أي ما يعادل تمامًا 10 أضعاف متوسط ثروة الأسر السوداء والبالغ آنذاك 17100 دولار.

كما قُدِّر متوسط الأرباح الأسبوعية للعاملين السود بدوام كامل بـ 694 دولارًا مقارنة بـ 916 دولارًا للعاملين البيض سنة 2018. كما تفوَّق متوسط الأرباح السنوية للنساء العاملات البيض بدوام كامل بنسبة 21 بالمائة على متوسط الأرباح السنوية للعاملات السود سنة 2017.

وفي عام 2018، عاش ما يقارب 20.8 في المائة من الأميركيين السود تحت خط الفقر مقارنة بـ8.1 بالمائة فقط من الأميركيين البيض، إذ لم ترتفع نسبة الأميركيين البيض الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى أعلى من 11 بالمائة منذ سنة 1959.

ووفقًا لنتائج مسح أجراه مركز بيو للدراسات "Pew Research Center"‏ عام 2019، هناك 1501 سجين أميركي من أصل أفريقي لكل 100 ألف أميركي من أصل أفريقي في حين أنّ هناك حوالي 200 سجين أبيض فقط لكل 100 ألف أميركي أبيض، أي أنّ معدل المساجين السود يفوق 5 أضعاف المعدل المُسجَّل بين البيض.

كما أفاد 3 من كل 5 رجال سود بتعرُّضهم للاعتقال التعسُّفي والظالم من قبل الشرطة وأكَّد 8 من كل 10 أشخاص سود معاناتهم المريرة من التمييز بسبب عرقهم في فترة التعليم الجامعي.

وغالبًا ما يُلاحظ انخفاض معدل تخرج الطلاب السود من المدرسة الثانوية مقارنة بنظرائهم البيض في المجتمع الأميركي، فقد تخرَّج 79 بالمائة من الطلاب السود من المدرسة الثانوية مقارنة بنسبة 89 بالمائة بين الطلاب البيض سنة 2018.

كما تشير الإحصائيات إلى اتِّساع فجوة ملكية المنازل بين السود والبيض منذ عام 2004، حيث تمتلك 72 بالمائة من الأسر الأميركية من العرق الأبيض منازلها، بينما تمتلك 41 بالمائة فقط من الأسر الأميركية الإفريقية منازلها الخاصة.

حتى جائحة كورونا كانت أكثر عدوانية مع العرق الأسود لأنّها وجدت أساسًا متينًا من العنصرية الضارّة والراسخة، ففي نهاية شهر مايو/أيار 2020، بلغ معدل وفاة الأميركيين السود جرّاء كوفيد-19 "1 من كل 1850 شخصاً" والذي يفوق بـ2.4 مرّة معدل وفاة الأميركيين البيض والمُقدَّر بـ"1 من كل 4400 شخص" وهذا حسب أحدث البيانات الصادرة عن مختبر APM للأبحاث "APM Research Lab".

كما بلغ معدل بطالة الأميركيين السود بسبب كورونا حوالي 17 في المائة مقارنة بمعدل بطالة الأميركيين البيض المُقدَّر بـ 14 في المائة في نهاية شهر إبريل/نيسان 2020 وفقًا لمعهد السياسة الاقتصادية "Economic Policy Institute".

ولم يتردَّد الرئيس الأميركي ترامب للحظة في تعليق فشله في إدارة هذه الأزمة على شمَّاعة الديمقراطيين والمؤامرات الخارجية من خلال اتِّهامه لأطراف أجنبية ومحلية بسكب الوقود على الاحتجاجات لتزداد لهيبًا وسعيرًا مُتناسيًا تهديده غير مدروس العواقب على مسامع الأمة الأميركية بإطلاق النار على المتظاهرين واستخدام القوة العسكرية ضدّهم ومُنصِّبًا نفسه رئيسًا للقانون والنظام وهذا ما كشف عورة ديكتاتوريته عند أول موقف يتطلَّب الاستماع لصوت العقل والحكمة بدلًا من الاندفاع غير المحسوب وراء القناعات التي اعتاد من خلالها التعامل مع القضايا الخارجية.

وهذا ليس غريبًا على رئيس يرتكز في تعزيز اقتصاد بلاده على تدمير الاقتصادات المنافسة، ولا يخجل من التهديد العلني والتوبيخ المستمرّ لقادة مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

فقد كان واضحًا منذ البداية أنّ ترامب يفضِّل السلطة على المبدأ، وهذا ما يتعارض تمامًا مع الأزمة الحالية الحسّاسة التي تقتضي إعلاء مبدأ المساواة والحقّ على كل الاعتبارات والمكاسب السياسية والمصالح والمطامع الشخصية الضيِّقة.
خلاصة القول إنّ رئاسة دونالد ترامب التي بدأت باحتجاجات واسعة النطاق يمكن أن تنتهي أيضًا بسبب الاحتجاجات ولكن من نوع آخر، فوفاة جورج فلويد أزاحت الستار عن بيئة إن لم تنته فيها حياة السود تحت ركبة شرطي أبيض يمكن أن تنتهي تحت وطأة نظام صحي عنصري أثناء الوباء.

ويمكن أيضًا أن تلقى حتفها بطعنات الفقر أو بمخالب البطالة أو بغدر العنصرية والتهميش، فأميركا لا تزال في الصميم دولة الرجل الأبيض، ولكن وفاة فلويد وضعتها أمام منعطف جديد ينذر بقدوم التغيير، والمضي قدمًا في طريق التغيير الطويل والشاقّ هو السبيل الوحيد لإرساء مبادئ المساواة والعدالة.

المساهمون