عن بسام الشكعة

24 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
لمّا أصدر عشرون سياسيا ومثقفا وأكاديميا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بينهم أعضاء في المجلس التشريعي، في سبتمبر/ أيلول 1999، ما سُمّي "بيان العشرين"، واعتبروا فيه اتفاق أوسلو "مقايضةً للوطن بثراء بعض الفاسدين المفسدين في السلطة الفلسطينية"، ردّت الأخيرة باعتقال أربعةٍ منهم، وفرض الإقامة الجبرية على اثنين، أحدُهما المناضل بسام الشكعة، الذي رد على القرار الأحمق، لمّا وصل إليه، بالضحك، والطلب من سائقه أن يتجوّل به في السيارة في شوارع نابلس. كانت لغة ذلك البيان حادّة (وغير مهذبة؟)، غير أن الشكعة، الذي توفي أول من أمس عن 89 عاما، لم يكن مطبوعا بالحدّة، وإنما بمبدئيةٍ عالية، جعلت معارضتَه اتفاق أوسلو قويةً وشديدة، من دون أن تأخذه إلى أي انتقاصٍ من تمثيل منظمة التحرير الشعب الفلسطيني، فقد ظلّ، على الرغم من انتقاداته الصريحة لقيادتها، ولسياسات ياسر عرفات، عقودا، متشدّدا في التمسّك بالمنظمة عنوانا لشعبها، وفي الدعوة إلى وحدتها، هو الذي كان ذا هوىً بعثيٍّ عتيق، وعلى صلةٍ حسنةٍ بالقيادة السورية التي جهر بانتقاد مشاركتها في التحالف العسكري ضد العراق إبّان غزو الكويت، الأمر الذي لم يُغضِب حافظ الأسد الذي التقى الشكعة غير مرة بعد ذلك، سيّما في غضون نشاط الراحل الكبير مع الفصائل الفلسطينية في دمشق، لإسقاط اتفاق أوسلو بُعيْد توقيعه. 
هذه الوقائع بعضٌ قليلٌ من محطاتٍ وفيرةٍ في مسيرة بسام الشكعة، مناضلا فلسطينيا جسورا، واسما خاصا في الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي الحالة العروبية القومية، منذ ما قبل انتسابه في شبابِه إلى حزب البعث، ثم سجنه، وتاليا إبعاده إلى مصر في 1962، ثم عودته إلى مدينته نابلس بعد عفوٍ من الملك حسين، ثم نشاطه الجماهيري بين ناسِه ضد الاحتلال  والاستيطان الإسرائيليين، مع تأسيسه لجنة التوجيه الوطني، ثم انتخابه رئيس بلدية نابلس، حيث ناوأ المحتلين الذين عملوا من أجل أن يترأس بلديات الضفة الغربية تابعون لهم، ولمّا أعياهم الشكعة ورفاقه، دبّرت خفافيش إسرائيل الجريمة الإرهابية المشهودة، في صيف 1980، استهدف فيها ما سمّي التنظيم السري اليهودي رؤساء بلديات البيرة إبراهيم الطويل ورام الله كريم خلف ونابلس بسام الشكعة بمحاولات اغتيال، ولكن القنبلة (زنتها كيلوغرام ونصف) التي وُضعت في سيارتِه لم تنجح في تغييبه، وإنما أفقدته ساقيْه، بعد جولاتٍ علاجٍ طويلةٍ في عمّان ثم لندن ثم عمّان. وهنا من الطيّب أن يعرف من لا يعرف أن بسام الشكعة كان يطلب من زوّاره الذين تقاطروا إلى غرفته في المستشفى في العاصمة الأردنية أن لا يأتوه بهدايا وورود، وأن يتبرّعوا بأثمانها من أجل بناء مدرسة في بلدة بلاطة (قرب نابلس)، وهو ما كان. ومن الطيّب أن يُعرف أيضا أن هذا الرجل الذي تعصى الإحاطة بسجاياه، لمّا اكتشف في المستشفى في لندن، لتركيب أطراف صناعية، إنما استضافَه البريطانيون لدواعٍ إنسانية، فرفض هذا الحال، طالما أن بريطانيا لم تُدن الجريمة الإسرائيلية، فطلب المغادرة، وحاول مسؤولون رفيعون في الخارجية البريطانية ثنيَه عن قراره، ولم يفلحوا، وبحث وزير الدولة للشؤون الخارجية، دوغلاس هيرد، معه الأمر، وتحدّث إليه عن أهمية اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل، من أجل نيلهم حقوقهم، غير أن الشكعة طالبه أولا باعتراف بريطانيا بمنظمة التحرير، وانتهى الأمر بعودة هذا الرجل النزيه إلى استكمال العلاج في عمّان. ومعلومٌ أنه رفض، قبل ذلك، استعداد إسرائيل لعلاجه في أحد مستشفياتها، محاولةً للتغطية على الجريمة، كما قال محقّا.
كان يقول إن "أوسلو" فتح الباب لأنظمةٍ عربيةٍ لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وكان يقول إن الإسرائيليين استطاعوا قطع قدميه، إلا أنهم لم يستطيعوا قطع نضاله. ودلّت شواهد وفيرة على صدق قوليْه هذين. وكم كان مهما منه لو أن هواه السوري إيّاه لم يورّطه في مواقف لم نستحْسنها منه بشأن جرائم الحكم في دمشق، في غضون ثورة السوريين الراهنة، وبشأن ما أعمْله الحكم نفسه في فلسطينيين أزهق أرواحهم.. احتاجت عروبيّته القومية أن تنجو من هذه الخطيئة الفادحة. رحمه الله.