عن الهزيمة والانتصار في إضراب الأسرى

01 يونيو 2017
الصورة
+ الخط -
انتهى، قبل أيام، إضراب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني، بعد واحدٍ وأربعين يومًا متواصلة من الامتناع عن الطعام، والاكتفاء بالـ"مي وملح"، وهو الإضراب الذي شارك فيه نحو 1700 أسير فلسطيني من الفصائل كافة، إلا أن تعليق الإضراب صاحبه كثير من الغموض والأقاويل، بل وحتى التضارب في بعض الأحيان، وإلى لحظة كتابة هذه السطور، ليس ثمّة من يمكنه تحديد نتيجة هذا الإضراب ومآلاته.
كانت أهداف الإضراب خاصة بالأسرى، وشملت مسائل حياتيّة يوميّة لهم، والتي يمكن لأي منّا أن يتفهمها من دون الحاجة أن يسقط عليها أحمالًا سياسيّة من واقع الفلسطينيين تحت الاحتلال، تلك الأحمال التي ستظل أقلّ من الأثمان التي دفعها ويدفعها كل أسير/ة فلسطيني/ة، إذّ لا يمكن القول إن مطالب الحياة اليومية، كـ"زيادة قنوات التلفزيون" و"زاوية مطبخ في كل زنزانة" و"السماح بوصول الملابس والأغطية من ذوي الأسير/ة" ليست سياسية، وبالذات أن اليومي في فلسطين هو السياسي، والعكس كذلك.
يقول الأسير وليد دقة في كتابه "صهر الوعي" (2010): "التشابه بين السجون والمعازل في الأراضي المحتلة قد يفيد في حل الإشكاليّة المفاهيمية في توصيف الحالة الفلسطينيّة.. حيث توصف حينًا بالفصل العنصري، وحينًا آخر بالغيتو. فيما يتجاوز الواقع هذه التوصيفات، والتي كثيرًا ما تربك ما يرتكز عليها من قرارات. فقد تصف بعض أجزاء المشهد الفلسطيني، لكنها تظل عاجزةً عن الإحاطة بكل المشهد والواقع الفلسطيني. فالفصل بين الفلسطيني والفلسطيني مثلًا لا يمكننا توصيفه على أنه فصل عنصري. كما أن معازل الفلسطينيين ليس غيتوات مؤقتة ومحطات يجمعون فيها قبل "الحل النهائي"، وإنما هي الحل النهائي، والمستهدف من هذا الحل ليس الجسد عبر إبادة جماعيّة، بل، إن صحّ التعبير، الروح عبر إبادة ثقافيّة وحضاريّة. وفي مجمل الأحوال، لم يعد مفهوم "الاحتلال" كافيًا، ولا حتى مصطلح "الاحتلال الاستيطاني" لتوصيف شمولية وعمق الحالة بعد أوسلو تحديدًا". ولكن، هل يعني هذا أن تعليق الأسرى لإضرابهم/ن يعني أننا انتصرنا؟
تستدعي الحالة الفلسطينيّة الحاليّة التأمل في مفهوم الانتصار والهزيمة، والصور الإدراكيّة التي
أسست لهما وتأسست عنهما، فالقول، مثلا، إن "إسرائيل وُجدت لتبقى، وفلسطين التي أعرفها هي الضفة الغربية وقطاع غزة" (تصريح محمود عباس لصحيفة هآرتس 2004)، لابد أنّ له معايير مختلفة عن تلك التي للأسرى بشأن الهزيمة والانتصار.
ببساطة، الأسرى لم يُهزموا، لأن المواجهة بينهم وبين الاحتلال لم تنته بعد، وساحتها أجسادهم وأعمارهم وحيواتهم. ولكن، إذا كان للمجتمع الفلسطيني في فلسطين والشتات أن يحتفل بالانتصار، فعن أي مواجهةٍ انتصر فيها نتحدث؟ فمثلًا، خلال أيام إضراب الأسرى، التقى النائبان في "الكنيست" أيمن عودة (القائمة العربية المشتركة) وزهاڤا چلئون من حزب "ميرتس" وقاضي قضاة فلسطين (مفتي السلطان)، محمود الهبّاش، في مؤتمر "القدس عاصمة لدولتين" في فندق الأميريكان كولوني في القدس، وفي يوم الذكرى العبرية لاحتلال القدس. هل لهذين، عودة والهباش، أن يحتفلا بـ"انتصار الأسرى"، من يمثلان في ذلك المؤتمر؟ أيّ انتصار هذا الذي نتحدث عنه ونهلل له، وذوو الأسرى عاقبتهم شرطة "أوسلو"، لأنهم طلبوا لقاء أبو مازن، في وقتٍ لم يصدر عنه تصريحٌ واحد بشأنهم؟
للأمر وجه آخر كذلك، فإن صحّت الأنباء أن من مطالب الأسرى لم تتحقق إلا واحدة فقط، بحسب "نيويورك تايمز" و"هآرتس" والإعلام الإسرائيلي، وهو "بند الزيارات"، وأن مصلحة السجون لم تقدم أيّ تنازل للأسرى، بل يتحكم بهذا البند، تحديدًا، "الصليب الأحمر"، وهو الذي أوقفه لقصورٍ في الميزانيّة، وأن السلطة دفعت تكاليف هذا البند، فسمح به الصليب الأحمر. بكلمات أخرى، انتصر الأسرى بأن حققوا مطلبًا انسانيًّا أساسيًا، وكذلك مصلحة السجون التي خرجت من الإضراب من دون تنازلات، والسلطة بفعلتها هذه ناصرت الأسرى، وحمت إسرائيل ومصلحة السجون، خوفًا من تنامي الغضب الشعبي والزخم على الأرض، وبالذات بعد أكثر من إضرابٍ شعبي للمحال، ووقفات دعم، في فلسطين المحتلة، وأخرى خجولة في عواصم عربيّة.
هذا التوق لتسمية أي حدث "انتصارًا"، والاحتفال به، يشي بحجم الهزيمة التي تثقل الواقع من ناحية، وتشي كذلك بخللٍ في إدراكها، وبالتالي في إدراك "الانتصار"، من ناحيّةٍ أخرى، وذلك لأن المواجهة مع الاحتلال هي في المعاش اليومي، وليست بذاخة سياسيّة. هذا الخلل في تحديد الهزيمة والانتصار، والمواجهة، أحدثته مؤسسات الدولة الأوسلويّة الحداثيّة التي حولت الوطن إلى دولة، والثوري إلى وزير، وهي كذلك التي حوّلت المقاومة إلى تنسيقٍ أمني، بالتواطؤ مع المؤسسات الدوليّة.
إلا أنّ دولة الاحتلال تعي، تمامًا، حيثيات الهزيمة والانتصار في مواجهتها مع الفلسطينيين،
فمحاولتها لتفريق جبهة الأسرى المضربين، بالتطييف والفصائليّة، لا تختلف عن مثيلتها، برعاية عربية وأميركية وفلسطينية، في تطييف الفلسطيني وتصنيفه فصائليًا، ولعل هذا هو السبب وراء "الإصرار الإسرائيلي على التعميم إعلاميًا عن المفاوضات مع الأسرى المضربين".
وأيًا تكن مطالبات الأسرى، وأيًا يكن ما تحقق منها، لا يجب عليهم/ن أن يخوضوا حربنا، ونحن متخاذلون، خاضعون للعبة الأهواء الفصائليّة السياسيّة والأيديولوجيّة. تنقل زوجة الأسير وليد دقة عنه أنّه "يعتبر ما حصل إنجازاً لعدة أسباب:
أولاً: أنهم فعلاً اضطروا إلى التفاوض مع قيادة الإضراب، تحديداً مروان البرغوثي، وأسباب رفضهم التفاوض معه، من ضمنها أنهم يريدون تقوية تيار التنسيق الأمني. مروان حالياً يمثل تيار حركة تحرّر!
ثانياً، حصل الأسرى على أمور حياتية كانت إدارة السجن ترفضها.
ثالثاً: تشكلت ثلاث لجان مكونة من مكتب رئيس الحكومة والأمن العام (الشاباك) والسلطة الفلسطينية لمتابعة بقية القضايا المبدئية والمهمة. وأخيراً، وهذا أهم إنجاز برأي وليد، أن الحركة الأسيرة لم تتمكن منذ إضراب العام 2004 الكارثي أن تقوم بعمل وبإضراب جماعي يشمل كل الفصائل إلا بهذا الإضراب".
ويصف دقة، في كتابه "صهر الوعي"، سياسات دولة الاحتلال تجاه "الجماعة الفلسطينية"، بأنها خطة "إبادة سياسيّة"، "تبدو للمراقب كأنها فوضى وارتباك، وتناقض في السياسة الإسرائيليّة، لكنها، في حقيقة الأمر، فوضى منظمة"، تهدف إلى: تفكيك البنى والمؤسسات الفلسطينيّة الاقتصاديّة والثقافيّة ومؤسسات المجتمع المدني، وإبقائها دون النظام ودون الفوضى، وتفريغ فاعليتها. التفاوض السياسي الدائم من دون توقف على نحو يوهم بدنو الحل، في مقابل تثبيت واقع احتلالي. تفكيك البنيّة التحتيّة لمقولة الشعب، عبر الإجهاز على القيم الجامعة للشعب الفلسطيني، من خلال مؤسسات فلسطينية، كذلك، لا سيما قواه وفئاته الحاملة والمدافعة عن تلك القيم متمثلين في الأسرى، والمناضلين من خلال سياسات التصفية، والاعتقال والتنسيق الأمني. ليبقى في النهاية الشعب الفلسطيني، "أقل من شعب، وفوق الإبادة الجماعيّة".