عن المواطنة والمذهبية.. بمناسبة "جزية" داعش

21 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 10:30 (توقيت القدس)

عائلة مسيحية من الموصل تلجأ إلى أربيل (19يوليو/2014/ الأناضول)

+ الخط -


طالب تنظيم داعش مسيحيي الموصل، والمناطق التي يسيطر عليها في العراق، بدفع الجزية مقابل البقاء وممارسة الحياة في مجتمع الخلافة الإسلامية الجديد، الأمر الذي فرض تساؤلات كثيرة بشأن تطبيقات الشريعة الإسلامية، وتحريف المفاهيم الدينية. ولسنا، هنا، بشأن تأويلٍ في الإسلام، بالقدر الذي نؤشر فيه إلى الظروف التي استدعت فرض الجزية، قبل ألف وأربعمئة سنة، علماً أنّ مفهوم الجزية موجود قبل الإسلام، وأجبر المسيح عليه السلام على دفعها للإمبراطورية الرومانية، ونقرأ في إنجيل متى (22:17) فسألوه: "فقُلْ لنا ما رأيُكَ أيَحِلُّ لنا أنْ نَدفَعَ الجِزْيَةَ إلى القَيصَرِ أم لا"، أجاب المسيحُ عليه السلام "يا مُراؤونَ لِماذا تُحاوِلونَ أنْ تُحْرِجوني، أرُوني نَقدَ الجِزْيةِ، فناولوهُ دينارًا. فقالَ لهُم لِمَن هذِهِ الصّورَةُ وهذا الاسمُ، قالوا لِلقَيصَرِ فقالَ لهُم ادفَعوا، إذًا، إلى القَيصَرِ ما لِلقَيصَرِ، وإلى اللهِ ما للهِ".

وليست هذه المقدّمة لمباركة الجزية، بل لتقويم مفهوم تلك الضريبة المالية المحضة، وقيمتها المالية في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية كانت متواضعة، يحصل دافعوها على إعفاء من الخدمة العسكرية والحصول على نصيبٍ من صندوق الزكاة. يمكننا، بالطبع، إدراج قرارات لجنتي الأمن القومي والشؤون الدستورية السورية، مثالاً، على تأويلات الجزية، والابتزاز بإلزام المغتربين بدفع قرابة ستة آلاف دولار بدل خدمة العلم. وهناك أمثلة كثيرة مشابهة لهذه الممارسات الضريبية في دول عربية عديدة، تبدو قريبة لمفهوم الجزية، لكنّها موجّهة لفئات المجتمع كافة، بهدف ملء خزينة الدولة، وضخّ مزيد من المال في الهرم الإداري العملاق الذي يتميز به نظام السلطة في المجتمعات المعاصرة، وخصوصاً في الدول النامية، حيث تعتبر الوظيفة آلية لكسب الولاء والعقاب، على حدّ سواء، لارتفاع معدّلات البطالة عن العمل.

لن تضمن الجزية التي تفرضها داعش الأمان للإخوة المسيحيين، لأنّها مقدّمة لمزيد من الضغوط لطردهم والتخلّص منهم، علمًا بأنّهم جزءٌ من حضارة العالم العربي، وقدّموا الكثير من التضحيات والخدمات لتنميته ونهضته. وإذا ما عُدنا لأصول الحركة القومية في العالم العربي، لوجدنا معظم مؤسسيها وقادتها من المسيحيين، الذين أصبحوا أعلامًا ومثالاً يقتدى به لدى حركات التحرّر، باعتبار أنّ الدين لله والوطن للجميع. مثالاً لما تقدّم وليس حصرًا شعلة النضال الوطني الفلسطيني المفكّر والقائد ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج حبش، وكمال ناصر الذي استشهد في العاشر من إبريل/ نيسان عام 1973، برصاص أطلقه إيهود باراك، فيما يعرف بمجزرة الفردان، واستشهد برفقته كمال عدوان ومحمد يوسف النجار.

ولن تحول الجزية دون التنكيل بكلّ من يعارض ويرفض التلوّن بالصبغة المذهبية، وكلّ من يحاول أن يمارس الحياة المعاصرة ضمن القوانين المدنية سيجد نفسه خارج جغرافيا المكان، حتى وإن كان جزءًا من المذهب الحاكم. وإذا ما تمّ طرد المسيحيين في أراضي السنّة، فالشيعة ستذبح فوقها، كما يُذبح السنّة في أراضي الشيعة بعد طرد المسيحيين. ما يحدث هو محاولة للتطهير المذهبي بذرائع عقائدية. وعلينا أن لا ننسى تبعات تهجير اليهود العرب إلى إسرائيل، بعد إعلان تأسيسها، لنخسرهم جزءاً من المجتمع العربي، وليصبحوا، بالتالي، عنصرًا فاعلاً في الكيان الصهيوني.

يتم التأكيد، هنا، على هذا الأمر، فيما نشر الموقع العراقي "وجهة نظر" مقالاً، جاء فيه أنّ العراقيين يتناولون الدجاج حسب انتماءاتهم المذهبية، وتتنافس شركات إنتاج الفروج والدجاج، لإبرام عقود تجارية مع السيستاني لتسويق "دجاج الكفيل"، في مناطق نفوذه، أما "دجاج الهدى" فيسوّق في مناطق نفوذ مقتدى الصدر، وديوان الوقف السنّي يسمح بتسويق "دجاج الفقيه"، ولا يوجد منافس لدجاج "المراد" في منطقة الكاظمية ومحيطها.

ويشير هذا الواقع إلى حجم التشرذم المخيف في العالم العربي على أسس مذهبية، خصوصاً في المناطق غير المستقرّة، لأنّ الدجاج لا يختلف، في نهاية المطاف، سوى في العبوة التي تعبّر عن النظرة المذهبية الضيّقة للغاية، ما يبشّر بمزيد من التخريب والانتقام الدمويّ ورفع مستوى الرعب الطائفي. وقد تنتقل عدوى العنصرية إلى الأقليات الأخرى العديدة التي تعيش بأمان منذ قرون في الوطن العربي، فهل يتوجب على الأرمن والأمازيغ والبربر والأكراد شدّ الرحال، بعيدًا عن سيوف الدولة الإسلامية، لكيلا تطال السيوف رقابهم، أم عليهم تغيير هوياتهم وأسمائهم ومعتقداتهم، للبقاء على قيد الحياة في هذه الأنحاء.

يحدث هذا في بعض بلادنا العربية، فيما يمكنك في أوروبا والدول المتحضرة مقاضاة الدولة والجار والشركات المحتكرة، إذا لحق بك منهم ضيم أو ظلم أو تعسّف، ما دمت تدفع بانتظام الضرائب المستحقّة عليك، كمواطن تحمل جنسية البلد المعنيّ، لكنّ الأجانب العاطلين عن العمل، المعتمدين بالكامل على المساعدات الاجتماعية، لا يدفعون الضرائب والرسوم، ولا يفكر غالبيتهم بممارسة أيّ من الأعمال، ما دامت حساباتهم عامرة مع نهاية كلّ شهر من صندوق الضمان الوطني. ولا تختلف المجتمعات في الوطن العربي بشأن دفع ضريبة الحياة والمواطنة، فواتير الكهرباء والهواتف والخدمات العامة تتضمن ضريبة مبيعات إضافية، بقيم مختلفة، تبلغ في أغلبها 20%، ما يعني أنّ خمس المنتج القومي يذهب رسوماً مباشرة لصالح الحكومة والسلطة الحاكمة. لذا، فإنّ ثمن المواطنة مدفوع حتى لزجاجة الماء والعلكة وتذاكر مراكز اللهو والترفيه ووقود السيارات والطائرات وتذاكر حافلات النقل ورغيف الخبز. في المقابل، هناك حاجّة ماسّة لتقديم البدائل والاعتراف بحقوق المواطنة، بدءًا من احترام حقوق الإنسان للأطياف والعقائد والديانات والأقليات كافة، وتقديم الحدود الدنيا لممارسة حياة كريمة فوق تراب الوطن العربي.

وبالمناسبة، يشمل هذا، أيضًا، عقد انتخابات ديمقراطية دورية منتظمة كلّ أربع سنوات للدول البرلمانية، ذات الحكم الجمهوري وفصل السلطات الثلاث، وعقد انتخابات رئاسية دورية للدول ذات الحكم الرئاسي، وتحديد صلاحيات الملوك والزعماء، من خلال توسيع صلاحيات مؤسسات الدولة والبرلمان والمؤسسات المدنية، وعدم التنكيل بالمعارضة السياسية، لأنّ دورها يتمثّل بتسليط الضوء على الممارسات الخاطئة، وليست بالضرورة عدوًا للسلطة الحاكمة، وندرك كذلك أنّ المواجهة بين السلطات الحاكمة والمعارضة شديدة وقاسية في الدول الحضارية المتقدمة، أيضًا، لكنّ العوالم المتحضرة لم تتمكن من اكتشاف طريقة حياة، وحكم أفضل من الديمقراطية حتى الآن. والدستور يحدّد القوانين التي يجب أن تصبح المرجع في كلّ صغيرة وكبيرة في الحياة، وإلا أصبحنا عرضة لمغادرة النظام العالمي، ونحن غير قادرين في الوقت الراهن على إيجاد بديل عادل لهذا النظام، والخروج على القانون، كاستخدام الآلة العسكرية لمواجهة معارضي الحكم وقمع الثورات، هو خروج على الدستور (لا يوجد دستور وضعي أو سمائيّ يسمح بقتل الشعوب واستهدافها) وترسيخ لقانون القوّة الذي لا يرحم صغيرًا أو كبيرًا، حال مخالفته لتوجهات السلطة الحاكمة، ومقدّمة لتدهور اقتصاد البلد المعني، وإغراقه في دوّامة العنف، والتخلّف عن ركب الحضارة. 

59F18F76-C34B-48FB-9E3D-894018597D69
خيري حمدان

كاتب وصحفي فلسطيني يقيم في صوفيا. يكتب بالعربية والبلغارية. صدرت له روايات ودواوين شعرية باللغتين، وحاز جائزة أوروبية في المسرح