عن المرأة الخارقة والتطبيع والإمارات

09 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كان أطفالي، قبل أيام، يشاهدون بعض أفلام سلسلة الأبطال الخارقين الشهيرة. تابعتها معهم على الرغم من عدم تفضيلي تلك النوعية من الأفلام، لاحتوائها على مبالغات كثيرة وخدع سينمائية عديدة، لكنهم نبهوني إلى أنني دائما أشاهد نشرات الأخبار والبرامج التحليلية، وهم سئموا من تلك الأحاديث المتكرّرة عن الحروب، والاغتيالات، والعمليات التفجيرية، والثورات، والمظاهرات، وكورونا. ولفت نظري في أفلام السوبر هيروز ظهور شخصية جديدة، شخصية wonder woman (المرأة الخارقة). أتذكر أني قد رأيت تلك الممثلة من قبل من خلال سلسلة نقاشات على وسائل التواصل، لها علاقة بالشأن السياسي. بحثت مرة أخرى عن الأمر، فوجدت فعلاً إن بطلة أفلام المرأة الخارقة هي الممثلة الإسرائيلية، جال جادوت، والتي كان قد ثار بسببها جدل كبير، بعد إعلان الفنان المصري، عمرو واكد، مشاركته في الجزء الجديد من سلسلة أفلامها. وكانت تلك الضجة بذلك الشكل الحاد لعدة أسباب. منها أن واكد كانت له، طوال السنوات السابقة، مواقف سياسية معلنة ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني، ويشارك في أنشطةٍ كثيرة تدعو إلى مقاطعة "إسرائيل". بالإضافة إلى دعمه القضية الفلسطينية في المحافل الدولية. والسبب الثاني أن عمرو واكد اتّخذ، في السنوات الأخيرة، موقفا، أكثر شدّة في معارضة السلطة الحاكمة في مصر، وسافر إلى دول عديدة، وأجرى مقابلات صحافية ينتقد فيها نظام الحكم في مصر بشدة، ما جعل وسائل الإعلام الموالية للسلطة، واللجان الإلكترونية، يتصيدون له مشاركته في عمل فني مع ممثلة إسرائيلية، ليتم اتهامه في مصر بالتطبيع والخيانة والعمالة للغرب و"إسرائيل"، وأنه مطبّع ليس له الحق في الحديث عن الوطنية أو الحقوق الفلسطينية، خصوصا أن الممثلة جال جادوت ليست مجرد مواطنة إسرائيلية، بل خدمت في جيش الاحتلال، ولها مواقف عديدة داعمة للحكومة الإسرائيلية، والمبرّرة قصف قطاع غزة منذ سنوات.

التبريرات الآن أن التعاون والتنسيق، السياسي والأمني والتجاري... هو خدمة للقضايا العربية والقضية الفلسطينية والأمن القومي العربي!

برّر عمرو واكد موقفه بأن العمل الفني لا يحتمل خلطه بالمواقف السياسية، وأن العمل الفني الذي يشارك فيه كان من الممكن أن يكون في طاقمه ماكيير أو طباخ إسرائيلي، فهل يتوقف عن كل عمل فني إن كان هناك شخص من "جنسية إسرائيلية" في العمل، وهم منتشرون بكثافة في صناعة السينما الأميركية؟ وبرّر الممثل المصري موقفه كذلك بأنه لا يزال رافضاً التطبيع مع إسرائيل، وأن التطبيع الذي يجب مقاومته هو تطبيع العلاقات بين الحكومات والتعاون مع الحكومة الإسرائيلية ضد الشعوب، أو العمل لصالح أهداف صهيونية، وهو ما تقوم به الحكومات العربية التي تتعاون وتطبع اقتصاديا وأمنيا ومعلوماتيا مع العدو الصهيوني، وليس مجرد دور في فيلم فيه ممثلة إسرائيلية الجنسية.

تذكّرت ذلك الجدل الذي دار قبل شهور عن الفنان عمرو واكد، وتلك الممثلة الإسرائيلية الخارقة، وأنا أطالع تلك النقاشات والمناظرات بشأن الإعلان أخيرا عن التطبيع بين الإمارات و"إسرائيل"، خصوصا مع الأداء الإماراتي المبتذل وتلك التبريرات، ومشهد الطفلة الإماراتية التي ترتدي العلم الإسرائيلي. ويا لسعادة نتنياهو وفخره، وقد حقق المعجزة التي فاقت أكثر أحلام "إسرائيل" تفاؤلا منذ نشأتها، وإنْ كان ما حدث من تطبيع علني لم يكن مفاجأة كبيرة، هو يشبه فقط أن يكتشف الناس علاقةً سرّية آثمة بين شخصين، فيضطرا لإعلانها بمنتهى الوقاحة والتحدّي. وتفيد تقارير دولية عديدة بأن العلاقات الإماراتية – الإسرائيلية قديمة على عدة مستويات، ولم تتأثر كثيرا مع اغتيال جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) القيادي في حركة حماس، محمود المبحوح، في دبي عام 2010. ربما على أثر ذلك ألغت الإمارات صفقة أسلحة كبيرة، كانت قد تعاقدت عليها مع "إسرائيل"، ولكن الأمور عادت إلى طبيعتها بعد فترة. ولا يقتصر التعاون الإسرائيلي الإماراتي على الشأن الدبلوماسي والسياسي، بل يشمل تعاوناً تجارياً وتكنولوجياً وأمنياً. وقد نشرت صحيفة هآرتس العبرية تحقيقاتٍ عن عمق العلاقات بين دولة الإمارات و"إسرائيل" وقدمها. وكتبت أن العلاقات العربية الإسرائيلية ازدهرت كثيرا بعد اتفاقية أوسلو، وذكرت أنه "حتى لو سئم معظم القادة العرب وتعبوا من عبء القضية الفلسطينية، فإنهم مجبرون على التشدّق بالكلام، خوفاً من أن تثور شعوبهم عليهم".

لا يقتصر التعاون الإسرائيلي الإماراتي على الشأن الدبلوماسي والسياسي، بل يشمل تعاوناً تجارياً وتكنولوجياً وأمنياً

لم تكن القضية الفلسطينية يوما مهمة للحكام العرب، يتشدّقون بها للاستهلاك المحلي، وتخوين كل معارض أو باحث عن الحكم الرشيد والديمقراطية، فيما تنسّق معظم الأنظمة العربية سراً وعلانية، مع الكيان الصهيوني. تغيرت البوصلة والخطاب. وبعد ما كان الخطاب قديما لا تصالح، أصبحت التبريرات الآن أن التعاون والتنسيق، السياسي والأمني والتجاري والزراعي والسياحي والتكنولوجي، هو خدمة للقضايا العربية والقضية الفلسطينية والأمن القومي العربي، مقالات كثيرة من كتاب إماراتيين وسعوديين، وأيضا مصريين، يشيدون بخطوة التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، بزعم أنها خطوة نحو السلام واستعادة الحقوق الفلسطينية، ولا أعلم حقيقة عن أي حقوق يتحدّثون. يتهمون المعارضين بالخيانة والعمالة لأعداء الوطن، خصوصا لو تقابل أحد المعارضين مع أي جهة إعلامية أو دبلوماسية أجنبية، في حين أنهم يتعاونون ليلا ونهارا مع العدو الصهيوني سرا وعلانية، وكثير من اتفاقياتهم وصفقاتهم تخدم الأهداف الصهيونية بالأساس، فمن هو الأحق بلقب العميل؟ وعن أي أمن قومي أو مؤامرات صهيونية وغربية يتحدّثون؟

ولكن يتردّد سؤال بشأن أسباب تلك الهرولة مرة أخرى نحو التطبيع، ولماذا نجد أن هناك دولا عربية قد قاطعت مصر في أواخر السبعينيات ومعظم الثمانينيّات، بعد توقيع الرئيس الأسبق، أنور السادات، معاهدة السلام مع اسرائيل، في حين أنها الآن تهرول نحو التطبيع والتعاون مع إسرائيل؟ وهناك أنباء عديدة عن التطبيع السوداني الإسرائيلي الذي بدأ منذ فترة سرّا. وقد تمت إقالة المتحدث باسم الخارجية السودانية، عندما باح ببعض ما يتم ترتيبه في الخفاء، بالإضافة إلى تقارير صحافية عن بعض التنسيق في مستوياتٍ عديدة بين السعودية وإسرائيل، بالإضافة إلى ما تم نشره من قبل عن دور جزيرتي تيران وصنافير المصريتين اللتين تمثلان حدوداً مشتركة بين السعودية و"إسرائيل"، بعد ضمهما للسعودية، ما سيتطلب اتفاقية سلام بين السعودية و"إسرائيل"، لتصبح العلاقات معلنة أيضا، بالإضافة إلى علاقاتٍ عُمانية إسرائيلية وزياراتٍ متبادلة.

تحوّل عدو الأمس ليصبح صديق اليوم، ولو على حساب العروبة والقضايا القومية والمحورية التاريخية للعرب والمسلمين

وليس خافيا على من يطالعون الصحف الغربية أن "إسرائيل" ونتنياهو أصبحا البوابة للعرب نحو مزيد من الدعم الأميركي، وأصبح نتنياهو الوسيط الذي يقوم بحملات المدافعة والضغط على دوائر صنع القرار الأميركي، من أجل استئناف المعونات والمساعدات، بعد التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان.

وهناك سبب آخر لتلك الهرولة الخليجية نحو "إسرائيل"، وهو التهديد الإيراني لدول الخليج العربي، ورغبة حكام طهران في استعادة أمجاد الفرس في تلك المنطقة، فقد تفوّقت إيران على السعودية والإمارات في المواجهات بالوكالة في اليمن وسورية والعراق ولبنان، ولا توجد حماية لدول الخليج من الخطر الإيراني غير "إسرائيل". وبهذا تحوّل عدو الأمس ليصبح صديق اليوم، ولو على حساب العروبة والقضايا القومية والمحورية التاريخية للعرب والمسلمين. وليس هذا جديدا في التاريخ العربي والإسلامي، فهناك وقائع تاريخية كثيرة تحالف فيها حكام عرب ومسلمون مع الأعداء ضد ابناء جلدتهم أو دينهم، تحت شعارات الدفاع عن الحق والدفاع عن الشرعية، فقد تحالف هارون الرشيد وشارلمان ضد الأمويين في الأندلس، وهناك رواياتٌ عن تحالف الفاطميين، مع الصليبيين، ضد صلاح الدين الأيوبي. وفي عصرنا الحديث، تحالف أمراء الجزيرة العربية مع البريطانيين ضد المسلمين الأتراك، وغير ذلك مئات الوقائع عن التحالف مع الأعداء من أجل إنقاذ العروش.