عن الشجاعة والأخلاق

28 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
ثمّة أوقاتٌ يختار أحدنا فيها الصمت الكامل، لا لأنه ليس على تفاعلٍ مع الأحداث المتراكمة حوله، ولا لأنه بعيدٌ عن مركز الحدث، بل هو غالبا ما يكون في وسطه وقلبه، ويكون تأثير الحدث مباشرا عليه، ومع ذلك يفضّل الصمت، لإدراكه أنه سوف ينفجر إن بدأ الكلام عما يفكّر به، أو عن خوفه، أو رأيه الشخصي بما يحدث، إذ أحيانا تصبح آراؤنا بمثابة لغم أو قنبلة، ما إن نبدأ بالتعبير عنها حتى تنفجر بنا، أو ننفجر نحن بها، ونأخذ في طريقنا آخرين لا ذنب لهم، أو ربما ليسوا معنيين بما نفكّر به، أو هم استطاعوا إنشاء جدرانٍ في دواخلهم، لكيلا يروا ما يحدث هناك، في المكان البعيد عن مجال أبصارهم، فالبعيد عن البصر والبصيرة هو خارج نطاق دوائر حياتنا، وبالتالي لا يعنينا! 
كثيرون منا، نحن البشر، الذين خلقوا وعاشوا في بلاد الخوف والاستبداد والقمع، نبني تلك الجدران، ونغلق أبصارنا كي نحمي ما نعتقده أماننا الشخصي. الخوف يعلمنا كيف نجد ملاذاتنا الفردية. الخوف معلم كبير، ونحن تلاميذ نجباء له، إذ ندرك أن مصير تمرّدنا عليه هو ذلٌّ يتفوق على ذلّ خوفنا وصمتنا.
لا تلوموا الصامتين ولا الخائفين، ولا واضعي جدران العماء، فللشجاعة درجات، أسوأها شجاعة الشاشات الزرقاء، لمن يعرف أنه في مكانٍ لا يحاسبه على النيات قبل الكلام، وليس مستباحا، لا في حياته الشخصية ولا العامة، ولن يدفع أثمانا باهظة وشجاعته.
الشجعان والأبطال الحقيقيون يشبهون أبطال الأساطير، تريدهم الآلهة دائما إلى جانبها. لهذا لا يهابون حكما مستبدّا، ولا حكما مجرما، ولا يلومون جبن الفئات التي يريدون أخذها إلى حيث الشمس والهواء، ولا يقلقون من تنمّرها عليهم، الأبطال لا يغادرون، ولا يلومون من غادر، ولا يشتمون ولا يستعرضون، يختفون عن مجال الرؤية، لنسمع، بعد حين قليل أن فائض شجاعتهم كان طريقهم نحو إكمال الأسطورة التي تبقى خالدة أبد الدهر، ولا يعرف أحدٌ، بعد زمن، هل كان شخوصها حقيقيين أم مجرد أسطورة.
على أن موقفنا الأخلاقي لا علاقة له بالشجاعة، أن يكون لك موقف أخلاقي من أزمات العالم حولك هو جزء من كينونتك الإنسانية. إذا فقدت هذا الموقف، فأنت تتخلى عن جزء كبير من كينونتك الإنسانية. أن ترفض القتل وأن ترفض القمع وأن ترفض المزايدات الوطنية والإيمانية. أن ترفض سماسرة الموت والسلاح والدين والتخلف، أن ترفض تحالفات الأنظمة. أن ترفض حكم مجانين القوة والسلطة والمال العالم وتسلطهم على كوكب الأرض وإفسادهم إياه. أن ترفض الأيديولوجيات القاتلة والأولويات القاتلة والأوطان القاتلة. أن ترفض سياسات الإفقار والتجهيل والتغييب، ثم اتهام من وقع بحقهم ذلك كله بالتخلف. أن ترفض البلطجة باسم الوطن، والتشبيح باسم الوطن، والقتل باسم الوطن، ومثلهم باسم الدين أو المذهب أو الطائفة. أن ترفض استباحة حياة البشر واستباحة منازلهم وغرف نومهم. أن ترفض كيل الاتهامات القاتلة للآخرين المختلفين بالرأي السياسي والديني والعرقي. أن ترفض بث الكراهية لمن هم مختلفون، واتهام خياراتهم الفردية الخاصة بحياتهم وأجسادهم بالكفر أو الخيانة أو الفجور. ألا تسمّي قلق الآخرين وتساؤلهم خيانة، وأن تتفهم حذرهم وقلقهم مثلما تتفهم التوق للتغيير وكسر الصمت والخوف والحذر. أن ترفض الاحتلال وترفض بيع المواقف والقضايا. أن ترفض الاستغباء السياسي للشعوب والتعالي النخبوي عليها. أن ترفض التنمّر على من يخدم الإنسانية، ولو بأبسط الأدوات. أن ترفض التنمّر على باقي المخلوقات. أن ترفض التنمر بكل أشكاله. أن ترفض استخدامك لتكون وقودا في معارك غيرك. أن ترفض احتلال أوطان الآخرين، كما لو أنها وطنك. أن ترفض عنجهية القوة العسكرية وفرض مصالحها بقوى واقع الحال. أن ترفض الإعلام المنحط والأموال المسخرة له ليصبح قادرا على تشكيل رأي عام يناسب مصالح القلة المتسلطة اقتصاديا وسياسيا.. أن تفعل كل ما سبق لا يحتاج إلى شجاعة، ولا لأن تكون بطل أسطورة ما، تحتاج فقط لأن تكون منتبها إلى كينونتك الإنسانية، كي لا تفقد أخلاقك.
أن تختار الصمت في وقت من الأوقات، حين تشعر بالخطر، لا يعني أن تظلّ صامتا طوال حياتك. أنت ميت إذا. الموتى ترفع عنهم صفة المثقفين والمفكرين والنخب. الموتى هم موتى فقط. لا صفات لهم سوى الموت، ولا يكترث بهم أحد. الحياة حتما ليست بطولة وشجاعة دائمة، لكنها ليست حياة، حين تفقد فيها حدسك الأخلاقي.

دلالات