عن الذاكرة في المشهد السوري

14 نوفمبر 2018
الصورة
+ الخط -
تناقلت وسائل تواصل الفضاء الافتراضي أخبارا عن بدء النظام في سورية عمليات إعادة إعمار محدودة، على مساحة البلد الجغرافية. يلفت الأنظار أنَّ أول ما بدأ النظام بإعادة إقامته في ساحات بعض المدن السورية، خصوصا التي وقفت مع الثورة، تماثيل لحافظ الأسد تم تحطيمها. قد يبدو الخبر عابراً لا يستحق الانتباه أبداً في خضم الحالة المأساوية والدمار والبؤس والنهليستية الشاملة التي تمحو سورية من الوجود ببطء، إلا أنَّ ما تحمله خطوة إعادة تنصيب تماثيل رمز النظام الأول في ساحات مدن سورية، لو صح هذا الخبر، من دلالات ومؤشرات سوسيولوجية يستحق التوقف عنده والتأمل فيه.
تبدأ قراءةٌ هنا لدلالات هذه الخطوة من مقولةٍ شائعة، تتردّد وتُكتَب، ويقولها معارضو النظام وشارع الثورة الشعبي في سورية منذ بدأت الثورة، وهي "لن ننسى، لن نسامح". قال الشعب الثائر هذه العبارة، صرخة عدم استسلام وإصرار على حلم؛ ركَّز على فكرة "لن ننسى"، وكأنه يقول إنه لن يسمح لذاكرته عن الموت والدمار والقمع والعنف والوحشية التي تعرّض لها أن تُمحى. ستبقى ذاكرة جمعية حية ودائمة، تُشكِّل وعي الأجيال القادمة، ورؤيتها ذاتها، وتحيي في هذا الوعي تذكّراً لا يموت للقاتل والمجرم الذي دمر حياتها، وحاول محوَها من الوجود. "لن ننسى" باتت في سيكولوجيا (ووعي) أجيال كاملة، من أبناء الثورة والحرب في سورية وبناتهما ورجالهما ونسائهما، حجر الزاوية في ذاكرةٍ جمعيةٍ ستُشكِّل هوية ملايين السوريين، وبنية فهمهم ذاتهم ووجودهم بوصفهم سوريين، بل ربما باعتبارهم بشرا أيضا، في العقود المقبلة. هنا، تتحول الذاكرة الجمعية قيمة ماهيويةً، أساسها عدم النسيان وعدم الإنكار، بل النقل من جيل إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، كعامود علاقة السوريين بالمستقبل وبالمصير.
لو قُيّضَ لتلك الذاكرة الجمعية القائمة على عدم النسيان أن تحظى بديمومةٍ في فكر الشعب السوري ووعيه ذاته، فهذا سيشكل تهديداً عميقاً لمستقبل النظام، أي نظام، يقف أمام هذا الشعب بصفته مصدر عذاباته. يدرك النظام في دمشق هذا الأمر كما يبدو، ويعلم تبعاته المجتمعية والشعبية عليه في مستقبل نجاته من العقاب. ولهذا، اختار أن يواجه الذاكرة الجمعية المذكورة بصناعة، أو بإعادة إحياء، ذاكرة جمعية بصرية مضادة، لطالما اعتمد عليها في استبداده بالبلد، وهي الذاكرة الجمعية المقترنة بتماثيل وصور ونُصُب عامة، لطالما ملأت ساحات سورية وشوارعها، وحتى أماكن عمل السوريين، لصانع نظام الاستبداد وأبيه، ومُلهِم ماهية هذا النظام وأدائه وذهنيته وصورته. وكما أن النظام أجبر الشعب السوري يوماً على ترداد "إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد"، ها هو اليوم يعيد فرض الشعار تعبيرا بصريا بإعادة تماثيل المؤسِّس وصور الوريث إلى خبرة السوريين اليومية؛ محولاً ذلك إلى أداةٍ لإيجاد ذاكرة جمعية مضادّة،
تبقي الشعب السوري في دائرة الطاعة والخنوع، لا بل وتدفعه سيكولوجياً وسوسيولوجياً للتخلي عن الذاكرة الجمعية القائمة على قرار عدم النسيان وعدم المسامحة. ما يمثله قرار إعادة تماثيل رمز النظام واستبداده ،على المستوى المجتمعي والجماعي السوري، هو ذاكرة جمعية في مواجهة ذاكرة جمعية مضادة. وهنا خطورة المسألة العميقة.
يتحدّث أفلاطون، في كتابه "السياسة"، عن الذاكرة الجمعية ودورها في إيجاد مخيال شعبي ودولتي عن الذات، وعن الهوية، في وعي أبناء الدولة السياسية. ويشرح كيف أنَّ المستبدين يستخدمون لعبة "التذكّر - المحاكاة"، لكي يقيموا في وعي محكوميهم سرداً أسطورياً جمعياً، وكيف أنهم يحولونه، من خلال مناسبات احتفالات، طقوس ونُصُب وأبنية وتماثيل، شعبية عامة، إلى عناصر تعريفية تذكُّريِّة تحوّل الأسطورة في وعي الناس إلى ذاكرة متكرّرة التذكُّر، ودائمة الحضور، إلى درجة تجعل الأسطورة تصبح تاريخاً، بل وتأريخاً. يفرض بعدها المستبد على الناس التماهي مع هذه الذاكرة - التاريخ الجمعية (على الرغم من أسطوريتها) وتعريف أنفسهم بدلالتها. بسبب هذا، يدعو أفلاطون، في كتابه، إلى نبذ الذاكرة الجمعية تماماً من أي دولة، لأنها تجبر جماعات الدولة المذكورة وأفرادها على أن يفكروا بشكل نمطي جمعي، أحادي النسق والطبيعة، بماضيهم وحاضرهم (أو قد تجبرهم على عدم التفكير بهذا الماضي بالمرة وتمنعهم عن ذلك بالقوة)، ما يمنع الناس من فهم واقعهم، وصناعته كما يريدون، وكما عاشوا هذا الواقع بكل أوجهه. في نظامٍ سياسي كهذا، يقول أفلاطون، لا يلعب الزمن وسيرورة الوجود أي دور في حياة المواطنين ووعيهم.
في ما بقي من سورية المدمّرة اليوم، وما بقي من شعبها في البلد، لدينا نظامٌ مجرمٌ مُستَبِد أفلت من العقاب، وتمت تبرئته من جرائمه وبربريته، يحاول منذ الآن أن يقتل ذاكرة السوريين الجمعية عن الدمار والقتل والتشريد والإجرام التي ارتكبها في حقهم في السنوات الماضية، من خلال إيجاده، وإعادة إحيائه، ذاكرة جمعية مضادة تستبدل الذاكرة الجمعية القائمة على "لن ننسى، لن نسامح" بذاكرةٍ جمعيةٍ بديلةٍ قائمة على "الأسد إلى الأبد". إن نجح النظام في هذا، فلن يقتل فقط الذاكرة الجمعية لحاضر السوريين، وعلاقتهم بالواقع، بل سيقتل فيهم إنسانيتهم، إذ إن الإنسان بلا زمن وعلاقة بالواقع التاريخي ميت، بلا وعي، بلا عقل وبلا ذاكرة. إن حدث هذا، نخرج من مرحلة القتل الجسدي للشعب السوري، وندخل (مرة أخرى) في مرحلة قتل الوعي، وقتل الذاكرة، أي مرحلة تصفية الكينونة البشرية الماهوية في إنسانية السوريين، وتحويلهم رسمياً إلى مجرد أشياء وأدوات وعناصر.. في وجه هذا، سنقول "لن ننسى، لن نسامح".. ذاكرتنا هي بشريتنا وسوريّتنا.

دلالات