عن الخطاب الطائفي

13 ديسمبر 2016
الصورة
انفجرت الفتنة الطائفيّة في العالم العربيّ منذ احتلال الأميركان العراق، ثمّ اشتدّ أُوَارُها في بلدانٍ، لم تَغلب فيها الأنظمةُ ولم ينتصر المعارضون. وبدا من الأحداث المتتابعة أنّ دولة الاستقلال لم يكن لها مشروعٌ وطنيّ جامع، وإنّما كتمت الهويّاتِ الفرعيّةَ بالقمع والاستبداد. فلمّا سقط النظامُ، أو ارتخَتْ قبضتُه، برزت الهويّات الكامنة، وحرّكها تعصّبٌ دينيٌّ موروثٌ، ونظامٌ أجنبيٌّ طائفيّ متربّص. واجتمعت على ترويج الخطاب الطائفيّ المنابرُ السياسيّة والجمعيّاتُ الثقافيّة ومؤسّساتُ التعليم ووسائلُ الإعلام والمعابدُ، حتّى غدا ثقافةً يوميّةً. ويدلّ فحصه على تميّزه بخمس خصائص.
أُولَاهَا، المركزيّةُ الطائفيّة، وهي احْتباسُ الطائفيّ في طوْق طائفته وشعورُه بالتفوّق والخيريّة المطلقة شعوراً يمتزج باحتقار المخالف، فالحقُّ كلّه والخيرُ والعدلُ والهدايةُ والصلاحُ والعلومُ والمعارفُ في طائفته، وما سواها ضلالٌ وانحرافٌ وظلم وتزوير. وطائفتُه خاصّةٌ وسائرُ المسلمين عامّةٌ، وأئمّتُه مصطَفَوْنَ مطهّرون وأئمّةُ الناس ظلَمةٌ وطواغيت وعبّادُ أوثان، وسلاحُه الذي يقطر من دماء الأبرياء شريفٌ، وسلاحُ المظلومين خسيس وضيع، ومالُه مطهّر ومالُ غيره نجس. ومأواه الجنّةُ ومصيرُ مخالفيه النار.
والثانيةُ، الذاكرةُ الانتقائيّة، وهي انتقاءُ وقائع ومراحل تاريخيّة، لتُذْكَر بأشخاصها وأحداثها، وطمْسُ مراحل أخرى، حتّى كأنّها لم تقع، فيُسدل الطائفيّ حجاب النسيان على مراحل الاتّفاق والانسجام والعيش المشترك. ولا يذكر من تاريخ المسلمين إلّا وقائع الخلاف والصراع والاقتتال، ولا يروي من الأخبار إلّا ما أجّج العداوة، وملأ القلوب حقْداً وحَنَقاً، وإنْ كانت أخباراً موضوعة، ولا يردّد من المرويّات إلّا ما يزكّي طائفته، ويظهرها في صورة الضحيّة المغلوبة المقموعة.

والثالثةُ، تزكيةُ الجماعة، وهي مساهمةُ جميع أفراد الطائفة في مديحها، والثناء على إنجازاتها، والكفُّ عن نقدها، وإنْ كانت أفعالها اعتداء وظلماً. ويتولّى رؤوسُ الطائفة وقادتُها إعلان تزكيتها، ويبالغون في تكرار ذلك، فيصير أتباعها أشرف الناس وأعْدلَهم وأطهرَهم، وإنْ وَلَغُوا في حقوق الجار، وأعانوا المستبدّ على استبداده، وقوّوا الظالم على شعبه، واغتسلوا بدماء الأطفال، ويصير سلاحها أشرف السلاح، وإن قتل الأبرياء واحتلّ ديارهم وقطع الأيادي التي سارعت إلى إيوائه وحمايته. ويصبح مالها أطهر المال، وإن نبَت في بلاد أجنبيّة، ورَبَا بتجارة المخدّرات.
والرابعةُ، قياسُ المماثلة، وهو قياس واقع معاصرٍ على ماضٍ موصوفٍ في الأخبار، وإنْ كان أكثرُها موضوعاً مكذوباً، فكلُّ ثائرٍ شهيد، وكلُّ ظالم يزيد، وكلُّ يوم عاشوراء، وكلُّ أرضٍ كربلاء، وكلُّ حشدٍ أتباعُ الإمام، وكلُّ عصابة جُنْدُ الحقّ. وتنتهي هذه المماثلة إلى تقسيم المجتمع فسطاطين: أهل الخير كلّه ولهم الوطنُ والأرض والتاريخ والمال والمستقبل، وأهل الشرّ كلّه، وليس لهم إلّا القتلُ والتشريد والتنكيل. ويلغي هذا التقسيمُ التاريخَ، ولا يعترف بتطوّر المجتمعات والعقائد، ولا يلتفت إلى مصلحة الوطن. فلا بدّ في كلّ عصر من صراع بين الفسطاطين، ولا فرق في كلّ عصر بين المخالفين، فهؤلاء الأحفادُ من أولئك الأجداد، والعقيدةُ هي العقيدة، والقومُ هم القوم. والخلافُ القديم في الخطاب الطائفيّ ليس مشكلةً طرأت على مجتمع المسلمين، فاختاروا لها حلّا بما هداهم إليه فهمُهم واجتهادُهم، بل هو صراعٌ أبديّ ينبغي إثارته في كلّ حين، ليظلّ الأتباع موتورين متحفّزين لافتراس المخالف. فالفتنة عند الطائفيّ ليست من أحداث التاريخ التي لا يكاد يخلو منها مجتمع، بل هي مرضٌ نفسيّ، يولّد عنده شغفاً بنَبْشها، كشغف الجريح بقَشْرِ جرحه، يُؤْلمه ويَحُكّه.
والخامسةُ استثمارُ الغيب، وهو استدراج الأتباع إلى الطاعة المطلقة، في مقابل نصرٍ قريب، أو جنّة موعودة، أو شفاعة مرجوّة. فيضحّون بأنفسهم، ويتخلّون عن آبائهم وأولادهم، ويفرّطون في حياتهم، ويُلقون بأنفسهم في المهالك، ويَنْسَحِقُون أمام قادتهم وأئمّتهم، ويقدّمون طاعةً حاضرة بوعدٍ مؤجّل، لا يمكن تحقّقه إلّا بعد الموت. ويُخدَع الأتباع بجوازات تضمن عبورهم إلى الجنّة، وبقبور في مراقد مقدّسة. وتمنعهم غشاوة الطاعة والتقليد من التفكير، فلا يعرفون أنّ الجواز إلى الجنّة صكٌّ، تنتهي صلاحيته بموتهم، فإذا ماتوا وانقطع نفْعُهم عمّن أرسلهم نَسِيَتْهم المنابرُ، ولا يدركون أنّ الناس لا تقدّسهم قبورهم، ولا مراقدهم، وإنّما تقدّسهم أعمالهم النافعةُ للمجتمع وإنسانيّتهم وحبّهم للناس.
وقد نتج عن هذا الخطاب بخصائصه الخمس أنْ أصبح القتل في العالم العربيّ ممارسةً يوميّةً، ووظيفةً وجوديّةً، فيستحضر الطائفيّ بطولات أسلافه، ويُسرف في سفك دماء الأبرياء من أهل وطنه وأمّته، ويستعدّ لممارسة القتل في طقوسٍ دمويّةٍ، عند خروج بطلٍ أو ثائر أو قائد أو خليفة أو مهديّ، ويدرّب عليه أتباعه في الاستعراضات العسكريّة ومشاهد الذبح ومجالس العزاء. وظاهرُ الاستعراضِ والذبحِ والعزاءِ تخويفٌ للاستكبار وإرهابٌ للعدوّ وتكفيرٌ عن الذنب
وتوبةٌ، وحقيقتُها احتفالٌ بالقتل والاغتيال. وأبشعُ ما في هذه الحقيقة أنّ المسلم ضَرِيَ بدم المسلم، والعربيّ تَطَعَّمَ بدم العربيّ، حتّى رأينا القاتل يشقّ بدن ابن وطنه، ويأكل لحمه، وهو يقطّر دماً. ولا يمكن أن نسترجع إنسانيّتنا، ونبْني استقرار مجتمعاتنا، إلّا بثلاثة مشاريع متلازمة:
ردع الأجنبيّ الذي يقوم مشروعه التوسّعيّ على الطائفيّة، فيحرّض بعضنا على بعض، ويخرّب مجتمعاتنا بأيدينا، وهو آمنٌ مطمئنّ؛ وتجديد دينيّ يبدّلُ معجم العقيدة الذي تحجّرت مفرداته، ويحرّرنا من أسر العقائد القائمة على ادّعاء امتلاك الحقّ، واعتبار المخالف حليف الضلال، ويستأصل جذور الفتن الدينيّة؛ ومشروع مدنيّ وطنيّ جامع يؤسَّس على المواطنة بجوانبها الثلاثة: الحقوقيّ والسياسيّ والاجتماعيّ. فنعيد اكتشاف أنفسنا، وهويّتنا وأمّتنا في ممارسة المواطنة الكاملة، تعارفًا واعترافًا ومشاركةً. فنقيم بالتعارف علاقات حوار تُثْبت إمكان مخالطة المواطنين الآخرين في إطار القانون والقيم، ونكتسب بالاعتراف استعداداً لمعاملة كلّ مواطن، وإقراراً بحقوقه وواجباته، وإيقاناً بأنّ ممارسة المواطنة سيرورة مدنيّة جماعيّة، على قاعدة الولاء للوطن والانتماء إلى الشعب والخضوع للقانون؛ ونمارس بالمشاركة نشاطاً مدنيّاً متطوّراً، مجالُه الحقوقُ والسياسة والاجتماع، وخاصيّتُه أن يَعْبُر العرقَ والجنسَ والطائفةَ والدينَ والطبقةَ والهويّاتِ الفرعيّةَ كلَّها، فيشكّل المحورَ الذي تدور عليه حركة المجتمع، والمرجعيّةَ الذي بها يعرّف المواطن، أي مدنيّة الدولة والمجتمع.
تعليق: