عن الثائر النصاب والمومياء المتوحشة

30 نوفمبر 2014
الصورة
+ الخط -

عزيزي الثائر النصاب، والثائر المتقاعد، والثائر المختبئ خلف شعارات فارغة تقول، معركتي ليست الشرعية، بل هي ثورة يناير والقصاص للشهداء،" كيف حالك اليوم؟
مبارك عاد في احتفالية بهيجة داخل قاعة المحكمة، عاد ومعه رجاله مدججين بحكم براءة تلاه القاضي، وهو يكاد يرقص فرحاً، قبل أن يقول، بمنتهى الوضوح والصراحة، إن اليوم عيد قومي بمناسبة وفاة الثورة واجتياز مصر المرحلة الثورية.. فما قولك؟
هل تتذكر وأنت تحشد الناس للمشاركة في ثورة 30 يونيو المضادة، بحجة أنها موجة جديدة لاستعادة حقوق الشهداء، وهتافك ضد العسكر والداخلية والإخوان والفلول "وحياة دمك يا شهيد.. ثورة تاني من جديد"؟.
ما شعور الدكتور جلال أمين، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية والكاتب الكبير، وهو يشاهد ابتسامة المومياء المتوحشة، احتفالاً بانتصارها على ثورة يناير؟ جلال أمين هو صاحب أول ضربة معول في بنيان ثورة يناير، تمهيداً للانقلاب العسكري، إذ كتب بتاريخ 4 مايو/ أيار ٢٠١٢ مقالاً تحت عنوان "الثورة المصرية: أسئلة بلا أجوبة"، يشكك فيه بتوقيت ظهور محمد البرادعي في مصر، كما يشكك في الشاب وائل غنيم العائد من أميركا للثورة، ثم يختتم مستدعياً نظرية المؤامرة للإجابة عن ثورة يناير.
لكن، الأهم هنا أننا نسأل رموز الثورة الكبار: محمد البرادعي- حمدين صباحي- عبد المنعم أبو الفتوح .. البرادعي أول من أعطى إشارة ضم فلول مبارك إلى معسكر الثورة، للمساهمة في القضاء على حكم مرسي.. حمدين صباحي أول من استقبل في مخيمات تياره بميدان التحرير أعضاء حملات "آسفين يا مبارك وعمر سليمان وأحمد شفيق"، وأسس لمبدأ كراهية الإخوان تجبّ ما قبلها.. وعبد المنعم أبو الفتوح خرج ولم يعد، وتحول من مشروع زعيم معارضة حقيقية إلى كاتب مرثيات ركيكة في المنتحرات والمنتحرين من الثوار.
هؤلاء قادوا ما سميته "عملية الانزلاق الثوري" في وحل استدعاء الثورة المضادة، بحجة مواجهة التغول الإخوانى.. نريد أن نسمع منهم.
وما قول الذين قيل لهم تعالوا إلى الميادين للدفاع عن آخر ما تبقى من ثغور يناير، فردوا بأنهم يأنفون الميادين لأن بها الإسلاميين والإخوان، ومن شأن ذلك أن يؤثر سلباً على مظهرهم الثوري الأنيق، ووسامتهم النضالية المزيفة؟
حسناً.. نرجو من الإخوان وكل الإسلاميين، الآن، عدم التظاهر بدءاً من اليوم حتى يتسنى للثوار الأنقياء الحلوين إسقاط نظام مبارك من جديد.. تفضلوا بالنزول.. الميدان في انتظار تشريفكم.
أذكر أن في ذروة الحشد لإسقاط محمد مرسي كانت جلسة في سلسلة محاكمات مبارك، وحدث أن تعرض ذوو الشهداء والمصابون لاعتداءات عنيفة من مجموعات فلول مبارك وأفراد الشرطة في محيط المحكمة. وبالطبع، تُرك هؤلاء في العراء وحدهم، لأن القوى الثورية المزعومة كانت منشغلة بالاجتماعات السرية مع قوى الثورة المضادة، للاتفاق على الترتيبات الأخيرة لهجمة الثلاثين من يونيو/ حزيران. وفي ذلك الوقت، تعليقاً على ابتسامة حسني مبارك داخل القفص، وكأنه يخرج لسانه للجميع "لماذا لا تنفرج أسارير المومياء فى توحش، وتنشب ابتساماتها فى صدر أهالي الشهداء، وهي تجد رموز معسكر الثورة تغازل بقايا دولة الفساد والقهر، وتغدق عليهم بالألقاب وشهادات الصلاحية الثورية، وتفتح لهم الميادين والشاشات، ليدوسوا على الدماء، ويبصقوا كلاماً وضيعاً في وجه أرواح أزهقت من أجل "مصر حرة"؟ والآن فماذا أنتم فاعلون؟
أكرر: هي فرصة حقيقية لمن أراد أن يستعيد وعيه وضميره النائم تحت تلال من الزيف والأكاذيب التي ابتلعت المسافة بين الثورة وعكسها، وبين الدماء والسولار، وبين الحق والباطل.
هي الفرصة الأخيرة لاستنهاض الضمائر الثورية من ثلاجات الموتى الأحياء، والأحياء الموتى.