عن التناتش السلطوي الفلسطيني

26 يونيو 2020
الصورة
عاد الوضع الوطني الفلسطيني يتعرّض لتكرار واجترار الإشكالات الداخلية نفسها، التي بلورت الانقسام السياسي والجغرافي المستمر منذ عام 2007، فقد عادت المناكفات، سواء من أطراف السلطة الوطنية وحركة فتح، أو من قيادات في حركة حماس، لتؤكد مرة أخرى القفز عن ضرورة التمسّك بالكيانية الوطنية الموحدة التي تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية، في محاولة لإيجاد صياغات انقلابية، في مواجهة السلطة الوطنية والنظام السياسي ومؤسساته، كما دأبها في المرة الأولى. 
وها هي تعود إلى التأكيد مجددا على خياراتها الانقلابية، ولكن هذه المرة ضد منظمة التحرير، متعمّدة إعادة تأكيد نهجها السلطوي، في وقت أحوج ما تكون القضية الوطنية الفلسطينية إلى وحدة الموقف الوطني الشامل الذي يجمع في بوتقته كل أطراف الحركة الوطنية، في مواجهة مؤامرات الضم والتهويد والأسرلة والعنصرية والتمييز والأبارتهايد التي يعمل الاحتلال على تطبيقها وتنفيذ مخططاتها ضد الشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي، لغاياتٍ إسرائيليةٍ داخلية، في أعقاب تشكيل حكومة يمينية متطرّفة، هذا دأبها وفق نهج الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ النكبة، ولأهداف أميركية تسعى إلى إنقاذ هذه الحكومة ومساندتها في تنفيذ أهدافها الأمنية والاستراتيجية المتطابقة مع ما أسميت "صفقة القرن" الترامبية.
وعلى الرغم من ذلك كله، أكدت وتؤكد تلك التصريحات تجاه المنظمة ما يتناقض مع ضرورات الوحدة، والحاجة الفلسطينية الملحّة للتماسك على مواقف أكثر انسجاما، تجاه ما يحاك للقضية 
الوطنية، من مؤامراتٍ في ظل تصعيد عدوانية الاحتلال، والمواقف الأميركية المعادية والمشكّكة بشرعية المنظمة، وما تمثل أو ينبغي أن تمثل من رصيد كفاحي لخدمة القضية الوطنية؛ في مواجهة المخطّطات الأميركية/ الإسرائيلية الساعية إلى تصفية قضية شعب فلسطين.
وطوال ثلاثة عشر عاما، ومنذ بدء المناكفات الأولى التي أسّست لبدء الانقسام السياسي والجغرافي، وما قاد إليه من تشتيت الجهد الوطني والمواقف الوطنية، والابتعاد عن ضرورات الارتكاز والانحياز إلى المنظومة التمثيلية الاستراتيجية، التي شكلتها وما فتئت تشكلها منظمة التحرير، على الرغم من ابتعاد طرفي الصراع الأساسيين، حركتي فتح وحماس، عنها، وفتور الاتجاهات التي نادت باعتماد المنظمة عبر مؤسساتها القيادية، الطرف القيادي المركزي للحفاظ على تمثيلها حركة الشعب الفلسطيني الوطنية، وقائدة كفاحه الوطني. هذا الوضع للأسف جرى ويجري تغييبه وتجاهله من أطرافٍ عديدين في الصف الوطني؛ سواء من قيادات في "حماس"، كما ومن سلطة النظام السياسي الفلسطيني الذي جرى تجيير مواقفه، وكامل المواقف الرسمية الفلسطينية لصالح سلطة "أوسلو"؛ والمواقف الأحادية الفردية، ليستمر الحال الفلسطيني على أوضاعه المزرية: انقسام سياسي وجغرافي، ومناكفات من تحت الطاولة ومن فوقها، من دون الاستفادة من عبر ودروس الفترة التي تراجعت فيها القضية الوطنية، حتى أوشكت على الضياع، في ظل تشبث كل الأطراف الفصائلية والقيادية بمواقعها ومواقفها غير الفاعلة، بل وفي إصرارٍ منها على تضييع المنظمة في متاهاتٍ غير كفاحية، والابتعاد عن آليات اشتغال كامل المؤسسات الوطنية وتجاهلها وعدم الاحتكام إليها، والانقياد نحو أحادية المواقف السلطوية وفردانيتها.
لقد مر وقت طويل منذ فشل النظام السياسي الفلسطيني، سلطة وفصائل، باستعادة أي حيوية كفاحية، راهنت عليها كل قطاعات الشعب في كل أماكن وجوده، فلم تنجح كل المحاولات التي جرت لرأب الصدع العميق الذي أصاب الهياكل القيادية وغير القيادية؛ وها نحن نشهد اليوم صورة نمطية للانقسام السياسي والجغرافي نفسه، في ظل إصرار كل الأطراف على التشبث بمواقع سلطوية لها، عملت وتعمل من خلالها على إقصاء الأطراف الأخرى، في محاولة لإيجاد بدائل عن منظمة التحرير، من داخلها كبعض أطراف سلطة أوسلو، وهم يحاولون الإبقاء على سلطتهم بديلا عن سلطة المنظمة ومؤسساتها الوطنية، ومن خارجها من قبيل تصريحات قادة في "حماس" أخيرا، ما فتئت تشكك بتمثيل منظمة التحرير، وتتحدث عن بدائل لها. وهذا كفيلٌ بالتناغم مع مخططات الاحتلال وصفقة ترامب نتنياهو، وهي تحاول التأقلم مع نصائح أنظمة رسمية عربية "معتدلة" بإتمام مخططاتها بالتدريج، وليس دفعة واحدة، وكأن النتائج يمكن أن تكون مختلفة.
من المؤسف اليوم أن تستمر تلك المناكفات الفصائلية، القريبة من التناتش، وإغلاق سبل الحوار الداخلي المباشر، بهدف إنهاء الانقسام، ومن ثم التفرّغ لمواجهة خطط ضم إسرائيل أراض 
فلسطينية واسعة، ومحاولة تطبيقها بنود صفقة ترامب/ نتانياهو، قبل أن تفتح الطريق نحو البدء عمليا بتصفية القضية الفلسطينية، وهذا يتطلب التمسك بمنظمة التحرير ومؤسساتها الوطنية الفاعلة، قيادة وطنية موحدة، مرجعياتها المعتمدة الميثاق الوطني، وإعادة التأكيد على الحضور الفعلي والفاعل لاستراتيجيات الكفاح الوطني التي يجري تغييبها، وإضاعة معظم أطراف الصف الوطني بوصلاتها، ممن انضووا في مجاهل السلطة في الضفة الغربية كما في قطاع غزة، بدلا من السعي نحو تنفيذ برنامج المنظمة الوطني التحرّري، وموقفها القيادي الموحد الذي جرى التوافق عليه في المجالس الوطنية والمؤسسات الأخرى، قبل أن تجري سلطة أوسلو رتوش تحويل الحكم الذاتي المحدود إلى "دولة" افتراضية، هي بمثابة كيان ناقص، لا يعبر عن الكيانية الوطنية الفلسطينية التي مثلتها وتمثلها منظمة التحرير.
وكي لا تنجح أي محاولة للتفكير بإيجاد بدائل عن المنظمة، ينبغي الوقوف سدا منيعا في مواجهة كل ما يحاك لها، بوصفها جبهة قيادية موحدة، وللقضية الوطنية باعتبارها "أم المسائل" التي تختصر الأرض والوطن والشعب والهوية؛ من مؤامرات لم تعد خافية. والأدعى راهنا تصليب جبهة "الدواخل" الفلسطينية، من أجل إفشال مؤامرات "الخوارج" الإسرائيلية/ الأميركية، ومن يمالئهم من عرب الأنظمة الرسمية وسلطاتها الاستبدادية.
وأخيرا، تؤكد التحدّيات الوجودية التي يمر بها الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، أن الوضع الراهن وسط مخاطر الضم والصفقة الترامبية والمواقف الأحادية للسلطة الفلسطينية غير الحاسمة، والمواقف العربية العاجزة عن مد يد العون للشعب الفلسطيني وقضيته، تستدعي من الفلسطينيين الاتفاق والتوافق، لا التنافر والاختلاف، وإيجاد مزيد من مسببات التباعد، وإهمال المؤسسات الوطنية التي شكلت وتشكل عماد الهوية والوطنية الفلسطينية التي نضجت وسط تضحيات أبناء الشعب الفلسطيني طوال سنوات الكفاح الوطني، من سنوات النكبة الأولى مرورا بانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، والهبات والانتفاضات الشعبية والجماهيرية الحاشدة، وصولا إلى هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، حيث تسعى جبهة الأعداء التاريخيين للشعب والقضية الوطنية الفلسطينية إلى دفن الرؤوس في رمال التطبيع والتواطؤ، واتخاذ مواقف مضللة، تعكس الصمت والعجز أمام محاولات ضم البقية الباقية من أرض الوطن الفلسطيني، للإطباق على كامل مساحة فلسطين التاريخية.
والأوْلى بكل الحريصين على التمسّك بهوية الوطن والأرض ووحدة الشعب، الانحياز إلى استراتيجيات الكفاح الوطني التحرّري، لا الميل إلى هوى السلطة الأحادية والفردية والتسلط، عبر استثمار وتوظيف جهود الوظائفيين، من موظفي السلطة على جانبي الانقسام الوطني والجغرافي، للقفز عن طبيعة الالتزام بما يلزم، من موجبات نضال شعبٍ لم يحقق أهدافه بعد، تركته قياداته يتخبّط في وحول الانقسام والتشتت والانصياع والانقياد خلف رواتب لا تسمن سوى ناهبي قوت الناس؛ ممن أرادوا ويريدون البقاء في السلطة، على حساب دولة الشعب الفلسطيني والمكافحين من أجلها.