عن التطبيع الإعلامي مع إسرائيل

عن التطبيع الإعلامي مع إسرائيل

03 يناير 2016
الصورة

وقفة في الرباط ترفض التطبيع مع إسرائيل (25 مارس/2015/أ.ف.ب)

+ الخط -
منذ التسعينيات، بعد مؤتمر مدريد للسلام، واتفاق أوسلو وما بعده، بل وقبل ذلك أيضاً، حصلت إعادة قراءة عربية رسمية لمسألة الصراع مع العدو الإسرائيلي، لعبت على فكرة تقادم الزمن، وعمدت إلى رمي ذاكرتنا حول حقنا في فلسطين، والصراع الوجودي مع العدو، وراء ظهورنا، وسعت إلى تحسين شروط الهزيمة، والتعاطي مع إسرائيل بوصفها كياناً طبيعياً في المنطقة، فرضه الأمر الواقع علينا. وهكذا، شهدنا مظاهر التطبيع مع إسرائيل على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية، وصولاً إلى الإعلام العربي الذي تخلى عن اللغة الخشنة في مواجهة "الكيان الغاصب"، وبدأ في التلطف معه، مستخدماً عباراتٍ تكرّس وجوده بشكل عادي في أرضنا، باعتباره فاعلاً طبيعياً ضمن معادلات المنطقة.
رأينا على قنوات إخبارية عربية، وضع اسم "إسرائيل" على خريطة فلسطين، بكل ما تعنيه هذه المسألة من رمزية، ومن لعبٍ على الوعي والذاكرة لأجيال عربية جديدة، يُراد لها أن تنسى قضيتها، وألا ترث مسؤولية مواجهة عدوها الوجودي، حيث يتحول هذا العدو إلى دولةٍ طبيعية في المنطقة، لها علم وخريطة، ولها أيضاً من يتحدث باسمها، ويعبر عن وجهة نظرها، داخل هذه القنوات الفضائية. هذه القنوات استضافت، على مدار السنوات الماضية، محللين وصحافيين وسياسيين وعسكريين، ينتمون لهذا الكيان الغاصب، وحاورتهم بشكل اعتيادي، تحت شعار سماع الرأي الآخر، في وقت لا يمكن لهذه القنوات أن تسمح بالرأي الذي يعارض توجهها داخل الوطن العربي.
حجة سماع الرأي الآخر، حتى للطرف المعادي، بإتاحته فرصة الظهور بشكل طبيعي في وسائل الإعلام العربية، لا يمكن أن تستقيم في حالة إسرائيل، إذ تتغذّى هذه الحالة تحديداً على تفكيك الحصار عليها من المحيط العربي المعادي لها، ومحاولة نيل شرعية الحضور في هذه المنطقة بكل وسيلة ممكنة، عبر اعتراف "الجيران" بها، والتعاطي معها بشكل طبيعي. وعليه، فإن استضافة محللين وسياسيين صهاينة تشكل جزءاً من خرقٍ إسرائيلي للحصار الذي يجب أن يُفرض على الكيان الاستعماري هذا، ضمن معركةٍ أساسها عدم الاعتراف بوجوده.
ولو استخدمنا لغة النظام العربي الرسمي، لقلنا عدم الاعتراف بوجوده حتى الوصول إلى "سلامٍ عادلٍ وشامل"، لكن الإعلام العربي لا ينتظر، حتى قيام هذا السلام، ليطبّع مع المسؤولين الإسرائيليين، ولا يريد النظام العربي الرسمي استخدام أي أوراق ضغط على الإسرائيليين في هذا الاتجاه، بما فيها القيام بحملةٍ عليهم سياسياً، ومقاطعتهم إعلامياً، وإعادة الاعتبار لفكرة المقاطعة الاقتصادية، والتفاعل مع أصدقاء القضية الفلسطينية حول العالم، من أجل تشديد الخناق على إسرائيل، ودفعها إلى تقديم بعض التنازلات في المفاوضات.

يبدو أن التطبيع يسير على قدمٍ وساق، فيما "التسوية" تبتعد أكثر وأكثر، وهو ما أوصلنا، مثلاً، إلى تطبيع إعلامي من نوع جديد في السنوات القليلة الماضية، حيث لا تكتفي وسائل إعلام عربية باستضافة إسرائيليين، ونقل وجهات نظرهم للمتلقي العربي، بل تروج الدعاية الإسرائيلية بشكل واضح، وتنتقل من ممارسة التطبيع إلى ترويجه على لسان الصهاينة، ومن دون حتى مناقشة المتحدثين الإسرائيليين في كلامهم، ونموذج هذا مقابلة صحيفة إيلاف الإلكترونية مع مدير عام وزارة الخارجية الصهيونية دوري غولد.
أول ما يلفت الانتباه، في هذا اللقاء، مع غولد خلوه من أي حديث عن القضية الفلسطينية، وتركيزه على الأوضاع الإقليمية، إذ يجري الحديث باعتبار أن إسرائيل فاعل طبيعي في الإقليم، وليست كياناً محتلاً، وترد جملة دعائية صهيونية كاذبة من غولد في الحوار، من دون أي تعليق أو تعقيب عليها: "التاريخ يقول إنه إذا قمنا نحن في دولة إسرائيل بعقد اتفاق أو معاهدة مع العرب، نحافظ على عهدنا إلى الأبد". تبنى على ذلك رسائل الحوار، الهادفة، في المجمل، إلى إيجاد حلف عربي-إسرائيلي في وجه إيران وداعش، حيث يعتبر غولد إسرائيل ضحية تهديد إيراني، يأتي من الشمال في لبنان، ومن الجنوب في غزة، وهو التهديد نفسه الذي تتعرّض له دول الخليج، بما يؤكد المصلحة المشتركة بين العرب وإسرائيل، ولا يتورع غولد عن استخدام اللغة الطائفية في خطابه، إذ يتحدث عن استغلال إيران الشيعة العرب، ليكونوا طابوراً خامساً، ومن يقرأ هذا الحديث، يتذكّر مباشرة الخطابات الطائفية لبعض وسائل الإعلام والكُتَّاب العرب، في توصيف صراعات المنطقة، التي لا تختلف عن حديث غولد.
تنشر وسائل إعلام عربية الدعاية الإسرائيلية بفجاجة منقطعة النظير، فتُرَوِّج حرف بوصلة العرب عن عدوهم الوجودي، واختراع ما يجعل التلاقي والتطبيع مع الكيان الصهيوني ضرورة لمواجهة تحدياتٍ أكبر وأخطر، وأمام هذه الموجة، ولخبطة الأوراق في التصوير الإعلامي لصراعات المنطقة، لابد من مقاومة هذه الدعاية الإسرائيلية، برفض التقسيم الطائفي المشرعن لوجود إسرائيل والتعاطي معها في صراعات المنطقة، ورفض إنهاء حالة العداء مع إسرائيل لمصلحة عداواتٍ أخرى، والتذكير بمعنى العداء الوجودي لإسرائيل، وما يترتب عليه من استخدام كل الوسائل للحفاظ على الوعي العربي ضده، وتأكيد رؤيته كياناً غير طبيعي مزروعاً في منطقتنا، ومسؤولاً عن كثير من مصائبنا، وربط الصراع معه بكل رؤيتنا للمنطقة ومعادلاتها وصراعاتها.