عن التحرش في السعودية

03 اغسطس 2015
الصورة
انتشرت عدة مقاطع مصورة على الإنترنت، في الآونة الأخيرة، لشباب سعوديين يتحرشون بفتيات، في أكثر من مدينة، ما أثار ردود فعل غاضبة، ونقاشاً واسعاً بشأن التحرش الجنسي في السعودية، وقد زاد الجدل حول مسألة التحرش هذه، في السنوات الأخيرة، بفعل ما وفرته التقنية الحديثة من إمكانية لتصوير الحوادث، ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، أي أن التركيز على الموضوع زاد بسبب التصوير، لكن هذا لا يعني بالضرورة زيادةً في عدد الحوادث، إذ لا توجد إحصائيات رسمية معروفة، لكن الأمر أصبح مشكلة تستوجب حلولاً. ومن هنا، طُرحت فكرة إيجاد قانون لمعاقبة المتحرشين، والمثير هنا أن الليبراليين يطالبون بالقانون، ويرفضه المحافظون. 
هناك من يتعامل مع التحرش الجنسي في السعودية بوصفه ظاهرة، لكن الحديث عن ظاهرة غير ممكن، في غياب دراسات رصينة على المستوى الوطني. وعلى الرغم من ذلك، تنبئ الدراسات والأرقام القليلة المنشورة، في حالات محددة، عن حالة تتجاوز التصرفات الفردية. نلاحظ، مثلاً، أن عدد قضايا التحرش بحق النساء والأطفال، المسجلة في المحاكم، عام 2013، بلغ أكثر من 2700، وحازت العاصمة الرياض على أكثر عدد من القضايا المسجلة، تليها جدة ثم المنطقة الشرقية. ويلاحظ أن الدراسات الإحصائية على عينات محددة توضح نسباً عالية للتحرش الجنسي، فمثلاً تنتهي دراسة أنجزتها الباحثة السعودية، نورة الزهراني، عن التحرش الجنسي بالنساء، على عينة تتراوح عمرياً بين 18-48 عاماً، إلى أن 78% من المُستَطلعات تعرضن للتحرش الجنسي بشكل مباشر، ووجدت الدراسة أن 27% تعرضن للتحرش اللفظي، و15% تعرضن للتحرش الجسدي المباشر.
تحصل حالات تحرش في أماكن العمل المختلطة، ولا توجد دراسات كثيرة حول نسب التحرش في أماكن العمل هذه، لكنّ دراسةً إحصائية عن التحرش الجنسي بين الأطباء المتدربين، في ثلاثة مستشفيات في الرياض وجدة والإحساء، بينت أن 83% من العينة المُستطلعة تعرضن لنوع واحد على الأقل من التحرش والتمييز، وأن نسبة من تعرض للتحرش اللفظي بلغت 61%. لا يمكن التعويل على هذه النسب، للقول إننا أمام ظاهرة، إلا وفق دراسات أكبر، تكون على المستوى الوطني، غير أن هذه الدراسات توضح أن المسألة ليست بسيطة، ما دفع شريحة كبيرة للمطالبة بقانون يُجرِّم التحرش.

في مجلس الشورى، طُرح مشروع قانون لمكافحة التحرش، تقدم به بعض الأعضاء، العام الماضي، لكنه سُحِب من التداول، بعد خمسة أشهر من العرض والمناقشة. هناك انقسام واضح حول سن قوانين لمكافحة التحرش، إذ ترفض الأمر شريحة واسعة من الإسلاميين المحافظين، وحجتهم أن مثل هذه القوانين تقوم بتطبيع المجتمع مع الاختلاط بين الجنسين، والإقرار الضمني بشرعيته، وبالمغازلات التي تحصل برضا الطرفين. ولذلك، يرفض هؤلاء المحافظين، بشدة، سن قانون لمكافحة التحرش، ويخوضون معركة لعدم إقراره رسمياً، ويعتقدون أن الأجدى، في مواجهة هذه المسألة، رفض الاختلاط من الأساس.
يتغافل المحافظون المعارضون للقانون عن أن سياسات الفصل التعسفي بين الجنسين، التي يدفعون باتجاه تثبيتها، والحفاظ عليها، وتوسيعها، لم تمنع حوادث التحرش، وأن بعض الحوادث تقع في المسجد الحرام نفسه، وأن هذا الفصل التعسفي لا يستطيع أن يحول دون اللقاء بين الجنسين في أماكن معينة، وربما يكون أصلاً أحد الأسباب المساعدة على زيادة حوادث التحرش. كذلك، فإن المعارضين للقانون يعيشون إنكاراً للواقع، فالاختلاط قائم في أماكن عديدة، وقد تراجع الفصل التعسفي بين الجنسين كثيراً، وزاد دخول المرأة إلى سوق العمل بقوة أكبر في السنوات الأخيرة، وتوظيفها في مجالات لم تكن تُوَظَّف فيها سابقاً، من وجود مساحات مختلطة بين الجنسين، تستوجب تنظيمها بالقوانين، ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ومنع هذا الاختلاط، بفعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة، تفرض وجود هذا الاختلاط، والتعامل معه بشكل عملي، وتنظيمه بطريقة تحمي حقوق الأفراد، وتُعاقب على إيذائهم.
استسهل بعضهم تحميل ضحايا التحرش من النساء، مسؤولية ما تعرضن له، لأنهن، بحسب هؤلاء، يمارسن سلوكاً يدفع الشباب للتحرش بهن، في الملبس أو في التصرفات. ومن يتابع المقاطع المصورة الأخيرة يرى أن النساء، في هذه المقاطع، محتشمات إلى أبعد حد، كما أن هذا الطرح لا يفسر وجود حوادث تحرش بالأطفال. أما مطالبة المرأة بالعودة إلى بيتها، لكيلا تواجه التحرش، فهي محاولة أخرى لإعادة الزمن إلى الوراء، وسلب المرأة حقها في الوجود ضمن المساحات العامة، بشكل طبيعي.
لا يحل القانون مشكلة التحرش جذرياً، لكنه يساهم في تقليص حجمها، ويمكن أن تساهم دراسات جادة ورصينة، على المستوى الوطني، في فهم أسباب المشكلة بطريقة أفضل، وإيجاد معالجة في مستويات مختلفة، اعتماداً على نتائج هذه الدراسات، تُقلِّص حجم المشكلة أكثر، من دون توهم إمكانية إنهائها بشكل كامل. ويبقى القانون حاجة تنظيمية، يفرضها الواقع، ولا يمكن لمعارضته أن تسد "ذرائع" الاختلاط، أو أن تلغيه تماماً من حياتنا، وربما على معارضي القانون أن يتأملوا، قليلاً، في حجم التغيّرات الاجتماعية التي حصلت وتحصل من حولهم.

تعليق: