عن إلغاء هيئة الأمر بالمعروف في السعودية

عن إلغاء هيئة الأمر بالمعروف في السعودية

08 سبتمبر 2014
الصورة

صار متاحاً نقد الهيئة في الصحف السعودية (Getty)

+ الخط -

أعاد الاعتداء الذي حصل أخيراً على مقيم بريطاني في السعودية، على يد أحد رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السجال المتكرر حول الهيئة ودورها، في الإعلام السعودي، وبين السعوديين في مواقع التواصل الاجتماعي. والهيئة أحد أجهزة الدولة، وظيفتها حفظ الآداب العامة، والاحتساب على الناس، إذا وقعوا في المنكرات. ومن خلال سلوكها، يبدو أنها معنية بالنهي عن المنكر والمعاقبة عليه، أكثر من الأمر بالمعروف، عبر فرض التفسير السلفي للإسلام على عموم الناس، من خلال جهاز الدولة.

الأهم أن الهيئة ظلت، منذ تأسيس المملكة، أحد معالم تأكيد الشرعية الدينية للحكم، فالنظام الأساسي للحكم ينص على أن الدولة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والتيار السلفي الذي يمنح الحكم مباركةً دينية، يحصل على نفوذٍ من عمل هذا الجهاز، غير أنه ليس شريكاً في الحكم، أو مهيمناً عليه، كما يدعي نقادٌ للتيار السلفي، وتَقَلُّص صلاحيات هذه الهيئة، عبر العقود الماضية، يشهد على ذلك، إذ بقيت السلطة السياسية هي التي تحدد مجال حركة الهيئة، والتيار الذي تمثله، وحجم نفوذهما في المجال العام.

تطورت الحسبة في السعودية، من تولي أشخاص في عدة مناطق مسؤوليتها، إلى مأسستها كاملة، تحت مسمى الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان أعضاء الهيئة في عهد الملك عبدالعزيز، بحسب موقع الهيئة الرسمي على الإنترنت، يمنعون الاختلاط والسفور، ويمنعون الحلاقين من التعرض للحى زبائنهم بالقص أو الحلق، ويؤدبونهم على ذلك، ويمنعون التدخين ويؤدبون عليه، ويصادرون التبغ من الدكاكين ويحرقونه، ويؤدبون بائعيه، ويقيمون الناس إلى الصلاة حين المناداة لها، ويمنعون التصوير الفوتوغرافي، ويتلفون الصور، ويمنعون الموسيقى ويكسرون آلاتها، ويعاقبون مذنبين بحبسهم في سجن خاص بالهيئات.

لكن، منذ عهد الملك فيصل، تقلصت هذه الصلاحيات الواسعة تدريجياً، فقد وزع الملك فيصل صلاحياتٍ للهيئة على البلدية وبعض الوزارات. وبعده، تقلص نفوذ الهيئة كثيراً، ولم يعد رجال الهيئة يمارسون أموراً كثيرة مذكورة، فلا هم الآن يلاحقون من يلتقطون الصور، ولا يصادرون التبغ من الأسواق، ولا يستطيعون منع مهرجانات غنائيةٍ، تعقد في مدن سعودية، كما أن لديهم صلاحية القبض من دون تحقيق أو حبس، كما في السابق. نشأت، طوال العقود الماضية، أعمال احتساب موازية للهيئة، قام بها متطوعون، وكانت هذه الأعمال الموازية تعويضاً عن عدم قدرة الهيئة على فرض الرأي السلفي في بعض الأمور، ومزايدةً على الدولة وأجهزتها في تطبيق الشريعة، ولأن الهيئة، مثلاً، لم تكن قادرة على إغلاق المحال التي تبيع أشرطة "الفيديو"، حرق محتسبون متطوعون هذه المحال، كما أن الجماعة السلفية المحتسبة، بقيادة جهيمان العتيبي، انتهت إلى التمرد السياسي على الدولة.

استمرت الدولة في التحكم بحدود نفوذ جهاز الهيئة، وانفتح المجال، بعد "11  سبتمبر"، لنقد الهيئة في الصحف السعودية، وأضاف الإعلام الجديد تركيزاً أكبر على أخطائها، وتكرر النقاش حول أخطاء رجال الهيئة، مع كل حادثة، واقترح كثيرون المزيد من تحجيم الهيئة، وضبط أعضائها، لمعالجة هذه المشكلات، لكن المشكلة لا تنبع من أخطاءٍ يرتكبها رجال الهيئة، هنا وهناك، أو من وجود صقورٍ داخل الهيئة يعطلون الإصلاح الذي يريد رئيس الهيئة القيام به، بل المشكلة نابعة من وجود هذا الجهاز، الذي يفرض تطبيق تفسيرٍ معين للدين، قسراً على الناس، ويصطدم حكماً بحريتهم في الاختيار، فإجبار امرأة على تغطية وجهها فرضٌ لتفسير دون آخر، وإجبار شخص على أداء الصلاة لا يعني غير تعزيز النفاق والازدواجية، وتحويل العبادات إلى مظاهر يؤديها الفرد خوفاً من الدولة، لا من الله سبحانه، ما يفرغ العبادة من محتواها الروحي، ويحولها إلى سلعة يُرجى من بيعها على جهاز الهيئة، تجنب عقاب الدنيا لا الآخرة.

هذا الحديث عن إلغاء جهاز الهيئة ليس دعوة إلى نقل صلاحياته إلى أجهزة أخرى في الدولة، تقوم بالدور نفسه في ضبط أخلاق المجتمع، كما يقترح بعض الكُتَّاب، لأن المشكلة ليست شخصية مع القائمين على جهاز الهيئة، وإنما هي في فكرة ضبط أخلاق المجتمع باستخدام أدوات الدولة، وتدخل أجهزتها في فرض القيم على المجتمع، بدلاً من تركها للنقاش المجتمعي والاختيار الشخصي. يمكن للحسبة أن تكون في إطار مؤسسات المجتمع المدني، المأمول السماح لها بممارسة نشاطها في السعودية، وأن يدعو التيار السلفي إلى أفكاره ورؤيته حول المعروف والمنكر، ضمن فضاء تعددي يضمن للجميع التعبير عن رؤاهم، ومن دون استخدام أجهزة الدولة في إخضاع الناس لهذه الرؤية.

إذا كان التيار المعني بعمل الهيئة حريصاً على إيمان الناس بالأفكار السلفية، لا التظاهر بالاقتناع خوفاً، فالمفترض أن يكون مؤيداً لإلغاء الهيئة، وتحويلها جمعيةً مدنية، لا تملك أدوات الإكراه والإخضاع، لكن مسألة إلغاء الهيئة تبقى معلقة بموقف الدولة، وفكرتها حول الشرعية، إذ يؤثر إلغاء الهيئة على الشرعية السلفية للدولة، وقد تشير خطوة كهذه إلى الانتقال صوب شرعية جديدة، يفترض أن تشمل المواطنين جميعاً، لا أن تُغلِّب رؤية وهوية فئة معينة منهم على الباقين.

دلالات