عن إعلام السلطوية في مصر

عن إعلام السلطوية في مصر

03 اغسطس 2017
الصورة
+ الخط -
انقلب الإعلام المصري، منذ 2013، وربما قبل ذلك بكثير، فعلياً من دور المدرسة إلى دور الناطق باسم السلطوية. تغيّرت ملامح هذا الإعلام، وتحولت أساليبه ولغته إلى هجوم يومي غني بالتهديدات والتخوينات والشتائم، حيث إن فضائيات مصرية تحولت إلى مسارح مونولوج، يطلق من خلالها المذيع العنان لعقده وحساسياته وانفعالاته. وينصب نفسه وصياً على كل شيء، الدين، المجتمع، البشر وكذا الدول المجاورة التي تختلف مع رؤية النظام الحاكم في مصر.
شئنا أم أبينا، لطالما كانت أم الدنيا نموذجا يُحتذى به إعلاميا في المنطقة العربية، ولطالما كانت المجتمعات العربية تشاهد التلفزيون المصري أكثر مما يشاهده أهله. فعبر الإعلام المصري، أتقنت أجيال عديدة اللهجة المصرية، والعادات المصرية إلى درجة الإدمان. لكن كل هذه القوة الناعمة التي تمتعت بها الجمهورية المصرية عقودا تراجعت وتصدعت، حين أصبح الإعلام صوت أصحاب الكراسي، وليس صوت المواطن. اشتغل النظام السلطوي الحالي كثيرا على تطويع الإعلام، وتجنيده في سبيل شرعنة سلوكياته، وتبرير فشله. حتى عبر دفعه إلى استعمال الخرافة، وما قصص أن عبد الفتاح السيسي مذكورٌ في أساطير فرعونية، وأن المؤسسة العسكرية اخترعت جهازا لعلاج الإيدز، إلا نماذج صغيرة لما يمكن للإعلام أن يكون عليه، حين يمتزج مع السلطوية والاستبداد.
أصبحت مؤسسات الاعلام السلطوي في مصر هجوميةً، لا تراعي أدنى أخلاقيات المهنة، ولا أصول اللباقة. حيث أنه تكفي إشارة واحدة من النظام، لتنطلق حملات مسعورة، يقودها نجوم الإعلام الذين شكلوا بورجوازيات مدعومة داخليا وخارجيا، تنفصل في مبادئها وتوجهاتها عن 
قيم الشعب المصري، وتطلعات الشارع العام. لا ترحم هذه الحملات أي أحد، لا حلفاء ولا خصوم. والمتتبع للإعلام المصري يكتشف ببساطة كيف انقلب رجاله ونساؤه على المملكة العربية السعودية، حين نشب خلاف بين الأخيرة ومصر في الشهور الماضية، حيث أنهم لم يتركوا إهانة إلا ونطقوا بها أمام العالم بأسره، من خوضٍ في العائلة الحاكمة، وكذا تكبّرا واستصغارا لنشأة الدولة وشكلها، ليتم سحب هذا الخطاب مباشرة، بعد أن عادت أنابيب الرز للعمل مجدّدا.
ينسحب المنطق نفسه على مواكبة الإعلام المصري الأزمة الخليجية. تهديدات قد تجر الناطقين بها إلى أروقة المحاكم بالقيام بأعمال إرهابية في قطر. توجيه إهانات للمسؤولين القطريين، وكذا الخوض فيما يمنع الحياء والأدب الخوض فيه. والمثير للاهتمام تشابه النصوص والشتائم مع اختلاف الأوجه. لم يبق لدى إعلام السلطوية سوى لغة الشتم، وأسلوب الصراخ، ليغطي على شذوذه عن رسالة الإعلام النبيلة التي تخاطب حاجة المجتمع وآماله، وقد أصبح المجتمع رافضا هذا الإعلام، ومقتنعا بأن نجوم الفضائيات يعيشون حياة غير حياته، ويخدمون قضية غير قضيته. وما أحداث الاعتداء على بعض إعلاميي السلطة (مع رفض كل أشكال العنف) إلا دليل على تعمق الفجوة بين الإعلام والمجال العام الغارق في البطالة والفقر والبؤس.
ضاعفت البورجوازية الإعلامية في مصر ثروتها أيام حكم الإخوان المسلمين بدعم من قوى إقليمية، من بينها دول تحاصر قطر اليوم. وقد شنت حملات إعلامية، لا تمتّ بشيء للإعلام سوى بالاسم، استهدفت أساسا الرئيس السابق، محمد مرسي، وقطر وتركيا. وروّجت أفكارًا على شاكلة بيع سيناء، وتخابر جماعة الإخوان المسلمين مع الدولتين المذكورتين، في وقتٍ كانت الجهات التي وثبت على السلطة لاحقا تتخابر، وتكثف اتصالاتها مع دولٍ أخرى في المنطقة. يكتشف المتابع أيضا لهذه الفترة في تاريخ إعلام مصر السلطوي أن ردود قناة الجزيرة، والإعلام القطري، بقيت ضمن مستوىً يشهد له من المهنية ولباقة اللغة. والأكيد أن الإعلام السلطوي في مصر كان يحاول جرّ الإعلام القطري إلى مستوى لغته، كي يشرعن حملاته، ويقدّمها في صورة رد وليس هجوماً، لكنه لم يفلح.
يعيش إعلاميو مصر ضمن بورجوازيات مغلقة، يغدق عليها الداخل والخارج، إلى درجة أن بعضهم أضحى يقدّم حملات ترويجية لفعالية أنظمة حاكمة قريبة من نظام السيسي. تختلف حياة إعلاميي السلطة في مصر جذريا عن حياة المواطن البسيط الذي يصارع ما بعد 2013 على رغيف خبز، فهم يعيشون في شوارع فخمة، ويتقاضون رواتب عالية جدا. لا يهتمون لمشكلات الشارع العام، لأنهم يعرفون أن من وظفهم ليس الشارع وإنما السلطة، وأن الخارج مستعد لإغراقهم في الثروة، ما داموا يقومون بمهماتٍ لا يريد هذا الخارج لإعلامه أن يقوم بها، احتراما ربما لمجتمعه، أو لصورة إعلامه.
يقوم بورجوازيو الإعلام السلطوي في مصر بدور مرتزقة أوروبا في عصورها المظلمة. 
يلمّعون الأقوى، ويبيضون صورته. ويجعلون من ذرات إنجازاته جبالا. في وقتٍ لا يتردّدون في شيطنة الآخر المختلف معهم والتشهير به، من دون أدنى احتكام للإنسانية ولا للذوق العام. جعلت البدلات الجديدة والاستديوهات الفخمة إعلاميي الزمن السلطوي في مصر يعيشون جنون عظمةٍ، يوهمهم أنهم قادرون على صناعة الجو الجميل والغائم في المنطقة. في وقتٍ توجد في عالمنا العربي مؤسسات إعلامية، واعلاميون يفوقونهم بمراحل خبرة ومصداقية، لكن إنسانيتهم ومهنيتهم تمنعانهما من الرد بالمثل، أو محاكاة هذا الأسلوب الذي أضحى لدى كثيرين وسيلة للفكاهة والسخرية.
على إعلام السلطة في مصر أن يعود إلى جادة الصواب. وأن يرجع إلى الاهتمام بمشكلات الشارع الذي انفصل عنه، وعن مآسيه، منذ سنين. لأنه لا حاجة لوجود الإعلام إن لم يخدم الإنسان وتطلعاته، ويعبر عنه ويتحدّث في صوته. فالأنظمة السياسية متغيرة، لكن الثابت هو المجتمع والفرد البسيط الذي أضحى يرى في نجوم الإعلام المصري المعاصر ناسا غرباء عنه وعن حياته وعن واقعه. الصراخ والشتم والتشهير لا يبني إعلاما. والتاريخ يثبت أن أول من ينقلب عن الأنظمة السلطوية المتصدّعة هو الإعلام الذي كان يوما ما يلمع صورتها ويحيطها بهالةٍ من القداسة، لأن الجبن صفة المرتزق، كما قال ميكيافيلي.