عن أهداف رجال المال بمجلس الشيوخ المصري

25 اغسطس 2020
الصورة
إحدى جلسات البرلمان المصري
+ الخط -

عكست انتخابات مجلس الشيوخ التي أجريت بمصر مؤخراً، ظاهرة عودة رجال الأعمال للعملية السياسية وتصدرهم المشهد، عبر ثلاثة مؤشرات هي المشاركة الفاعلة في تشكيل التحالفات الانتخابية، واختيار المرشحين، والترشح وتمويل عمليات الدعاية.

يعكس ذلك الوزن النسبي ومساحات النفوذ لدى رجال الأعمال، وكذلك توجه النظام لتنظيم هذا الوجود واستيعابه، كما يؤشر المشهد مستقبلا على الدور الذي ستلعبه كتلة من رجال الأعمال بوصفهم جماعة أساسية ضمن تحالف طبقي حاكم تحت مظلة الدولة.

يمكن تحليل مشهد الانتخابات بمدخل اقتصادي وطبقي يوضح مدلول ودوافع مشاركة رجال الأعمال كقوى اجتماعية في السلطة، وعلاقة تلك القوى بالسياسات الاقتصادية، وما إذا كانت تشكل تقنينا للتحالف القائم بين فئات طبقية ونظام سياسي، وما ينتج عنه من سياسات اقتصادية تزيد من تمكنها اقتصاديا وسياسيا في إطار سياسات التحرير الاقتصادي.
تشكلت القائمة الوحيدة بانتخابات مجلس الشيوخ عبر حوار جمع أحزابا تمثل كتلة من رجال الأعمال، أبرز تلك الأحزاب مستقبل وطن، والجمهوري الحر، والحركة الوطنية، والثلاثة يغلب على قيادتها رجال أعمال.

كما يظهر التحليل الكمي للمرشحين على مقاعد القائمة والتي تبلغ مائة مقعد، أن نسبة رجال الأعمال تزيد عن 70%، بينما توضح كشوف المرشحين على المقاعد الفردية بالقاهرة والمحافظات أن أغلب المرشحين من فئات رجال المال وقادة شركات ضخمة وينتمون أغلبهم سياسيا الى الأحزاب الثلاثة السابقة، ويتوزعون بين قطاعات البناء والتشييد وصناعة الحديد ومستلزمات البناء وقطاع السياحة والتكنولوجيا وقطاع الأغذية، وبينهم روابط وعلاقات متشابكة، استفادت بعض شركاتهم من مشروعات البنية التحتية الضخمة التي تنفذها الدولة بمشاركة القطاع الخاص سواء في سوق العقارات ومشاريع الإسكان أو شبكات الطرق والجسور، غير الاستفادة من تسهيلات توجه للقطاع.

وتعتبر هذه الكتلة من المشاركين في مجلس الشيوخ من الصف الأول في طبقة رجال الأعمال، يليهم صف ثان ترشح أغلبهم بمحافظات الصعيد وهم رجال أعمال أصحاب أنشطة استثمارية محلية متوسطة، ولهم نفوذ اجتماعي، وخاض بعضهم أو أفراد من عائلاتهم تجارب المشاركة السياسية قبل ثورة يناير، وكانت بعض الأسماء المرشحة مستوعبة ضمن شبكة علاقات الحزب الوطني بمحافظات الصعيد والدلتا.

وقد لعبت الغرف التجارية دورا في الدفع بأكبر عدد من رجال الأعمال بانتخابات مجلس الشيوخ، وخاصة أن من أعضائها قيادات بحزب مستقبل وطن والحزب الجمهوري، وهما الحزبان الاكثر تأثيراً في تكوين قائمة "من أجل مصر"، كما دعمت منظمات رجال الأعمال المرشحين فيما يتعلق بالدعاية حسب تصرحت قيادات منها، غير أن رجال الأعمال المرشحين تحملوا التكلفة الكبرى في الدعاية الانتخابية للمرشحين في نظام القائمة، هذا في ما يخص عمليتي الترشح والدعاية.
على جانب أخر ساهمت شبكات رجال الأعمال على مشهد الانتخاب حيث دفعت قطاعات من العمال والموظفين للتصويت ورسم صورة للحشود في دوائر بعينها، وهي الدوائر التي يلاحظ أنها تخصص للتغطية الإعلامية ولنقل فاعليات الانتخابات، كما شملت دوائر التأثير والحشد عمال بعض المناطق الصناعية بالمحافظات غير العاملين ببعض المشروعات العمرانية الجديدة، كما قامت الجمعيات الأهلية التابعة لحزب مستقبل وطن وبعض رجال الأعمال بخلق جزء من مشهد المشاركة ونشر متطوعين تابعين لها في عدد من اللجان.
ليس الوجود المكثف لرجال الأعمال بمجلس الشيوخ مجرد مصادفة أو نتيجة لممارسة مواطنين حقهم في المشاركة السياسية منفردين، فالمشاركة كانت مخططة ومنظمة من جانب كتل اقتصادية تقود احزابا سياسية صاغت تفاهمات مع السلطة، لكي تصل إلى المشهد المستهدف والتشكيلة الانتخابية التي ارتسمت، هذا الوجود الملحوظ يعكس مصالح رجال الأعمال، كما يتقاطع مع أهداف للنظام تتعلق بدمج رجال الأعمال في مؤسسات سياسية والاستفادة منهم.
بالطبع من حق رجال الأعمال المشاركة وتمثيل أنفسهم ككل طبقات المجتمع، لكن هذا لا ينفي أثر علاقة التزاوج بين المال والسلطة، وما ينتج عن ذلك من سياسات متحيزة لهم، وتظل التجارب السابقة في مصر وغيرها من دول مؤشرا مهما في القياس والتنبؤ حول نتائج مشاركة رجال الاعمال وسيطرتهم على المؤسسات السياسية، وما قد ينتج عن ذلك من سياسات وقرارات اقتصادية في إطار التقشف من جانب، ومنح تسهيلات وامتيازات لرجال الأعمال من جانب أخر كما تجارب سابقة.

البعض يعتبر أن سيادة القانون وكون المواطنين على قدم المساواة كفيل بمعالجة المخاطر، لكن هذا وفي حال صحته، لا ينفي أن غلبة تمثيل فئة طبقية تعني أنها ستنتج تشريعات وقوانين وتؤثر في طبيعة السياسات لتكون في صالحها، وأنها لن تأخذ في الاعتبار كتلاً طبقية أخرى، في النهاية تعد العملية السياسة تعبيرا طبقيا عن من يديرها ويشكلها، وتعكس مكوناتها مصالح اقتصادية للفئة الغالبة فيها، وحين تستطيع طبقة الاستحواذ على مؤسسة سياسية فإن منتجها سيكون لصالح هذه الكتلة.
تتخذ أهداف رجال الأعمال في المشاركة بمجلس الشيوخ أتجاهين الأول استراتيجي عام والثاني هدف قريب المدى، فهم يسعون أولا إلى دعم وجودهم السياسي عبر مؤسسات سياسية، سواء كان مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ويعتبر وجودهم سواء داخل أحزاب حديثة أنشئت برعاية رجال النظام أو مؤسسات رسمية أحد أدوات التمكين السياسي، غير أن التواجد في المؤسسات السياسية يؤثر في صناعة واتخاذ القرار، خاصة في ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، بالإضافة الى ذلك تساهم المؤسسات السياسية في توسيع شبكة العلاقات بين الفاعلين الاقتصاديين وقطاعات الدولة، ويستفيد النظام من ضم رجال الاعمال في مؤسساته السياسية ويحل ذلك إشكالية عدم وجود حزب للسلطة بشكل مباشر، كما يدفع وجود هؤلاء قدرة النظام وقوته، وكسب الدعم والتأييد.
وغير الأهداف العامة والاستراتيجية، هناك أهداف قريبة تشكل أجندة عمل تتضمن مطالب منها ما يتعلق بتشريعات وقرارات وسياسات، غير مطالب بحل مشكلات المستثمرين، وربما إعادة طرح مطالب كتخفيض أسعار الطاقة للمصانع، وإعادة فتح ملف الضرائب والمنازعات والتصدير، فضلا عن المطالبة بمزيد من التسهيلات والامتيازات التي يرى رجال الأعمال أنها تدعم القطاعات الصناعية والاستثمارية. 

إجمالا نحن أمام مجلس شيوخ تم بالتوافق وإشراك تشكيلة اقتصادية وقوى اجتماعية في السلطة، أي تمثيل للثقل الاقتصادي في الشكل السياسي، ليصبح النظام أكثر قوة، يدعم هنا الاقتصاد البناء السياسي، ويعبر عنه، وهذا النموذج للمشاركة السياسية في مجلس الشيوخ ترجم نزوع طبقة اقتصادية تسعى إلى مشاركة أكبر في السلطة من خلال المؤسسات السياسية، ويتعامل معها نظام الحكم بتفهم وبوصفها كتلة شريكة ومساندة وبينها علاقات تشابك وتضامن، غير تشابه في الطرح والرؤية وتفاهم في ما يخص السياسات الاقتصادية.