عن أسماء الثورة الحسنى والذاكرة وخيبة الأمل وأفكار أخرى

29 يناير 2019
+ الخط -
- "كنا نريد ملو كف واحد من دماء، كي نذوبه بطين الأرض حين يوجعها غياب الاخضرار، فجاء ملو الرحم، أو نلقيه في النهر الذي ضل مجراه، وصار يمد أزرقه أمام جنزير دبابة تعدو وتختصم الهواء، سنسميه نبياً أو نبية، أو نسميه "يناير جاء"، سنسميه فتى يرجم الموت بقمح في اليدين، أو فتاة ذوبت حلو ملامحها في أسفلت الميدان، لتحيض وتحبل بالأسماء الحسنى للأسماء: كرامة.. حرية.. عدالة اجتماعية. يناير جاء، ولا حاجة ليناير عادة بأصفار البنوك، ولا النياشين أو الرتب، إنما لمن يَعِدُه بصباح أرضي جديد، لا تتلو فيه الأنباء ما اعتادت تلاوته من قرون، بل عن حشد عيون تبكي أحرف، وحلوق تصرخ أحجاراً، وأرحام تتصيد كلمات، فتباركت العيون المصابة بالفتيات والخصي الملغومة بهواء يناير، وباروده الذي يستمطر الغيم آية الفصول الأربعة.."الشعب يريد أن يحب الحياة"

رضا البهّات من كتابه (اختار ألا يموت)

- "وإذا كان النص بهذا المعنى تاريخا للعصر، وكان الممثلون ناقلو هذا النص إلى الجمهور ـ خلاصة تاريخ العصر ـ فإن هذا يضع على عاتق الممثلين مهاما والتزامات ومسئوليات، ليس أخطرها الأرصدة في البنوك، وعدد السيارات الفارهة، والفيلات والقصور، وهواية تربية الكلاب وسباق الأزياء والمظهريات والخواتم السوليتير، والعربدة في علب الليل المقفلة، وملاهي الليل المفتوحة، والمانشيتات والصور والإعلانات والتعري وعرض المفاتن في السوق الحرة وغير الحرة. إلخ، وإذا كنا نريد أن نرفع مستوى الجمهور إلى الفن، وفن المسرح خاصة، فيجب أولا أن نرفع المشتغلين بالفن إلى مستوى خلاصة تاريخ العصر، أما أن يكون الفنانون نفاية تاريخ العصر، كما يصر أغلب فنانينا على أن يكونوا، فليس في وسع الفن والتاريخ إلا أن يلفظاهم كالكائنات الطفيلية، على المدى القريب والبعيد، إنهم فنانون تجوزا، ومن باب الخطأ الشائع أو الأمر الواقع ليس غير".

نجيب سرور من كتاب (هموم الأدب والفن)

- "وإذا مر بك حديث فيه إيضاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع على أن تُصَعِّر خدك، وتُعرِض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تُؤثِم، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب"

الحافظ ابن قتيبة الدينوري في مقدمة كتابه (عيون الأخبار)

- "الموتى الحقيقيون لن يموتوا أبدا مادمنا مستمرين في التفكير فيهم، ربما ينحصر الأمر في هذا ما الذي نخشاه على الموتى الأموات، مادام مانستمده منهم هو مانستمده من الأحياء، لدينا ذاكرة متصلة بهم، لدينا أعمالهم، كل شيء خلفوه وراءهم، لو أننا توقفنا عن القلق بشأن حقيقة أن الموتى أموات يمكننا أن نهزم العديد من الهواجس التي نبنيها لتفصل بين الموتى والأحياء، ويمكننا مواصلة الحياة عن طريق الذاكرة، هناك ذاكرة الماضي بمعنى كل ما ومن كان موجودا، وهناك ذاكرة المستقبل الأشياء التي فعلها أو لم يفعلها الناس تلك التي ستنتهي مخلفة أثرا في المستقبل، ومهما كان وصفك للأمر، فالمؤكد أن لدينا علاقة مستمرة بالأحداث الماضية، بالناس تفوق تقسيمات الحياة والموت وتلغي الحواجز التي بينهما، نحن مشغولون في عصرنا هذا عن تذكر الماضي، ونزعم أن الذاكرة لم تعد لها أهمية، الأجيال الجديدة لم تعد مهتمة بما حدث لآبائهم أو أجدادهم، مايهم فقط هو أمور اليوم وربما الغد، هذا مرض ومرض قاتل، طبقا لبلداننا لمواقفنا ولغاتنا، أي كل الأشياء التي يمكن أن تتواجد عن طريق الذاكرة، ليس للنبات ذاكرة، ينبغي أن نتوقع الأفضل من الكائنات الحساسة الراقية."

جوزيه ساراماجو

- "الحقيقة الوحيدة التي أدركها عنكم أنتم الليبراليون هو حبكم الشديد للقصص الخيالية، فأنتم تتذمرون من الأساطير التي تفسر بدء الخلق، ولكنكم تؤلفون العشرات منها، الليبراليون لا يصدقون أبداً أن المحافظين لديهم دوافعهم النابعة عن قناعات أخلاقية يؤمنون بها، تماماً كما يزعم الليبراليون إيمانهم بقناعاتهم الأخلاقية الخاصة بهم، لقد اخترتم أن تصدقوا أن ما يحرك المحافظين هو كراهية ذاتية عاصفة ناتجة عن أحد أنواع الضعف النفسي، ولكن هي أكثر قصصكم الخيالية بعثاً على الراحة."

من رواية (عن الجمال) لـ زيدي سميث ترجمة مفرح كريم

- "وإن لم تستطع تشكيل حياتك كما تريد، فحاول - على الأقل ـ بقدر ما تستطيع، ألّا تبتذلها بالاحتكاك الزائد بالعالم، بالحركة والكلام الزائد. حاول ألا تبتذلها بجرجرتها هنا وهناك، بالطواف بها وتعريضها ـ كثيراً ـ للسخافة اليومية، للأحداث والحفلات الاجتماعية، إلى أن تصبح مثل عبء مضجر"

قسطنطين كفافيس - ترجمة رفعت سلام

- "في عالم راكد كهذا ومسدود الآفاق، يتثاءب التقدم فيما تنتعش الأيديولوجيات الجماعية الداعية إلى ذوبان الواحد في كلِّ أكبر، كالأمة والدين والطبقة الاجتماعية، فضلا عن الروابط الأهلية والدموية الموروثة، وهي نفسها كثيرا ما تجدد نفسها في واحدة أو أخرى من تلك الإيديولوجيات الجماعية، هنا في هذه الحدود يحضر الإسلام بوصفه منظومة ثقافية لم تتعرض للإصلاح، لكن الإسلامويين النضاليين عرضوها لنوع من التحديث الأداتي والوظيفي القاتل، وتتساند هذه العناصر كلها لا لتعيق تقدم الحداثة فقط، بل لتجعل العربي يرى حياته مادة هزيلة لا تستحق الحرص عليها، وهذا إن لم نقل إن الإيديولوجيات الجماعية تُعجز صاحبها عن أن يقرأ معنى حياته واحتمالاتها قراءة صائبة، مثلما تُعجزه عن تعقّل الشروط المعاصرة الممكنة لتحسينها، ومن يرى حياته هكذا لن يرى في حيوات غيره ما هو أثمن. وفي الحالات جميعا، يصير الموت قابلا للإقامة على قاب قوسين أو أدنى، فالحياة وفيها شيء من البؤس، تجعلها تلك القراءات الجماعية لها بؤسا محضا، بؤسا لا يليه إلا أفق مسدود ينفتح فحسب في السماء".

حازم صاغية من كتاب (نانسي ليست كارل ماركس)

- "... الثورة عندما تأخذ مداها وتتحول لحياة يومية، فإنها لا تتحرك في طريق الأحلام الواسع الذي تخيلناه جميعاً، ولنا العذر في أن تتفجر صرة الأحلام. الثورة تخلف خيبة أمل للجميع، ليس بسببها أو بسبب مثالية الناس. وإنما لأن هناك مستويين من الأحلام، لا يتقاطعان إلا نادراً، مستويان كانا شيئاً واحداً أثناء الأيام الأولى للثورة، أما بعدها فكل يأخذ طريقه، لا أعتقد أن هناك ثورة كاملة لا تخلف خيبة أمل. أي ثورة مهما كانت دمويتها أو نقاؤها، هي ثورة ناقصة. لأنها تعيش على قوس زمني واسع مثل قوس قزح، ولأن هناك ماضياً لا يمكن التغاضي عنه، يقتات على هذا الكائن الجديد. الثورة في لحظة بدايتها، وفي امتدادها عبارة عن أحاسيس طائرة في الهواء، تحتاج لأن تحلّق إليها، أما عندما تدخل في الحياة اليومية فقد تفقد هذا البريق واللمعان، وتتخلى عن قدسيتها، لتكون واحدة من البشر العاديين.

... ربما الثورة جاءت من فكرة فردية بالأساس ثم تعممت. يعني أنها تحمل بداخلها هذا العطب والفساد وأنانية الحلم الفردي، والمتعة الزائلة، إنها باترون موسع للحب، عندما يحدث الإشباع تفقد اللذة معناها. اللذة والسعادة كما يقول محلل النفس الفرنسي لا كان هي الإحساس بالنقصان والسعي للحصول عليها، لذا أيام الثورة الأولى هي الزمن المقدس، الذي نحن للوصول إليه بالرغم من علمنا بأننا لن نصل. قال لي صديق بعد انتهاء فترة المظاهرات ضاحكاً أنه أصبح عاطلاً بلا عمل، لا يمكن أن ننظر للحياة اليومية بعين الثورة الحالمة، الإنسان هو الإنسان، حتى ولو اتسعت مساحة الحرية من حوله، بالرغم من أن الثورة جزء موسع من لذته وحلمه للحياة، إلا أنه عندما يراها مشخصة أمامه، يقول "لم أتخيلك هكذا، أنا لا أعرفك".

علاء خالد من روايته (أشباح بيت هاينريش بُل)