عن آبي أحمد وجائزة نوبل للسلام

13 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
شهد القرن الأفريقي في العامين الأخيرين طفرة نوعية في تبديد التوترات، وفي الخروج من الأزمات السياسية والأمنية التي ظلت جاثمة على السياسة الإقليمية لدول القرن الأفريقي، فمنذ وصول آبي أحمد إلى منصب رئيس الحكومة الإثيوبية عام 2018، انتقلت الطغمة المنتفعة في بلاده من الهرم إلى قاع السلطة الحاكمة في إثيوبيا، وأسدل الستار عن مرحلة جديدة في بلد متشعبٍ إثنياً وعرقياً، وساده الإحباط والتذمر عقوداً، ورافقته صور الدكتاتوريات الفاشية المتسلطة على حياة المجتمع الإثيوبي، بل امتدت أيضاً سياسات القمع والموت البطيء لتلك السلطة إلى دول الجوار، وكان الصومال يدفع ثمنها منذ بدء الاحتراب الأهلي فيه مطلع التسعينيات.
الإصلاحات السياسية والاجتماعية التي قادها آبي أحمد هي التي جعلته أول من أمس الجمعة (11/10/2019) يُمنح جائزة نوبل للسلام، اعترافاً وتقديراً لجهوده الجبارة في إخراج المنطقة والإقليم من عنق الزجاجة، والحد من التوترات الإثنية والحدودية التي كانت عنوان الصراعات الكبرى بين دول القرن الأفريقي، فتمثل هذه الجائزة بالنسبة للمشرق الأفريقي مكسباً جديداً يضاف إلى رصيد دعاة السلام والاستقرار، بقدر ما تمثل وسام تشجيع لرجل إثيوبيا الإصلاحي الذي ما يزال يشكل العمق الأثيوبي في وحل من الفوضى والاضطرابات السياسية؛ كما أن شؤم الخلافات والانقلابات يحوم حولها، من دون أن تتمكن إدارة آبي أحمد في ضبط إيقاعات المشهد الإثيوبي المتلاطم بموجات من الرفض والامتعاض من بعض القوميات الإثيوبية، تعبيراً عن رفضها سياساته الإصلاحية.
الجانب الإنساني واحترام الحريات ورفع القيود عن الإعلام والمصالحات الداخلية والإقليمية، من أبرز القضايا التي استحق عليها آبي أحمد جائزة نوبل للسلام 2019. وفي المقابل، هناك 
أصوات كثيرة ليست مقتنعة بخلو سجله من دماء الأبرياء في إقليم الصومال الغربي (أوغادين) والمعارضة الإثيوبية؛ فقد كان ضابطاً في المخابرات الإثيوبية، وبموجب عمله ذاك، ليس الرجل سليماً من ارتكاب انتهاكات في حقوق الإنسان، على الرغم من غياب أدلة كافية لإدانته بالجرم تحت حكم ميلس زيناوي (1994 - 2012).
مهما تعدّدت إنجازات آبي أحمد، فإن قطار الإصلاح في إثيوبيا، وفي القرن الأفريقي المضطرب، لا يقتصر على الجانب السياسي، فالفقر وغياب الإمكانات والخدمات الأساسية للحياة أبرز معاناة المجتمعات الشرق - الأفريقية، ومن دون إصلاح حقيقي لعلاج أزمات الجوع والفقر في شرق أفريقيا، وخصوصا في إثيوبيا، تبقى الاستحقاقات السياسية طافيةً فوق جمرة من النار، تشتعل مع ثورة جياع جدد، أي أن إقليم القرن الأفريقي على فوهة بركان ساخن يثور مع أي حركة ارتدادية من قاعه المتراكم بأزمات اجتماعية واقتصادية، فالفقر والمجاعة يهدّدان استقرار اثيوبيا سياسياً واقتصادياً.
كما أن المصالحة الداخلية في إثيوبيا تعتبر غير ناجزة تماماً، ولم تحقق القدر المطلوب من الصلح والوئام والتفاهم بين القوميات الإثيوبية، فقومية تيغراي التي حكمت البلاد عقوداً غاضبة إزاء سياسات آبي أحمد، وكذلك قومية أمهرا التي ظلت رديفة الحكم مع قومية تيغراي، تشعران بالإحباط، وتتخوفان من تهميش أدوارهما السياسية والأمنية، عقب تجريدهما من مكاسبهما السابقة في الجيش وفي الحكم. أي أن وصول القومية الأرومية إلى الحكم، متمثلة في شخصية آبي أحمد، لا يعني، بحد ذاته، استقراراً داخلياً ومصالحة بين القوميات الإثيوبية. وبعبارة أدق، يعتبر هذا انتقال الحكم إلى قوميةٍ كانت مضطهدة سياسياً واجتماعياً، وهذا ما يدفع القوميتين، تيغراي وأمهرا، إلى التذمر، ورفض السياسات الإثيوبية، ما قد يدفع إلى محاولات انقلاب عسكرية فاشلة من الجيش والشرطة.
ومما يضيف للمشهد الإثيوبي تعقيداً أزمة الحدود والجغرافيا بين القوميات التي تقطن إثيوبيا، فقبل أشهر تقاتلت القوميتان، الصومالية والعفرية، بسبب خلافات حدودية، فتدخل الجيش الإثيوبي. وثمة الصراعات العسكرية المتكرّرة بين القوميتين، الصومالية والأرومية، بشأن نزاع حدودي بينهما، وهي صراعاتٌ لم تحل بعد جذرياً؛ فما زال العسكر الإثيوبي يحول دون عودة المواجهات المسلحة. ولكن ما أن تلوح في الأفق فرصة للقتال، السلاح ملقم، وآلة الموت هذه تحصد مئات بين القوميات الإثيوبية.
الإصلاح السياسي في إثيوبيا مرهون بمدى احتواء الأزمات الاجتماعية، وإجراء مصالحة حقيقية بين شعوب البلد. ما عدا ذلك، تصبح جهود آبي أحمد في تضميد جراح الماضي مجرّد جروح 
غائرة مفتوحة، ولا تجد شفاءً قبل أن تتصالح القوميات الإثيوبية على نحو حقيقي لتقاسم الثروات الطبيعية، واحترام الجوار والمعتقدات الدينية. وعلى آبي أحمد أن يقتدي برجل رواندا، بول كاغامي، الذي فرض إصلاحات حقيقية بين القوميات الرواندية، وانعكست نتائج إصلاحه إيجاباً على حياة المجتمع الرواندي الذي يتطلع إلى تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية في شرق أفريقيا. وهذا على الرغم مما عرفته رواندا من مجازر، سفكت فيها الدماء وأزهقت الأرواح، ولكن اقتصاد هذا البلد يحقق الآن أرقاماً فلكية، ويتوقع أن يرتفع نموها الاقتصادي إلى 7.5% مع نهاية العام الحالي. وقد أطلقت، قبل أيام، أولى هواتفها الذكية، لتنضم إلى نادي صناعة الهواتف الذكية، وتصبح أول دولةٍ في شرق أفريقيا تصنع هاتفاً ذكياً.
يستحق بول كاغامي أن يحصد جائزة نوبل للسلام، باعتباره رئيساً أفريقياً قاد بلاده نحو إصلاح حقيقي وتطور تكنولوجي يضع بلاده في ريادة عالم الابتكار وصناعة الإلكترونيات، في ظل ما نشهده اليوم من ثورة تكنولوجيا هائلة، حيث تحاول رواندا أن تحوز نصيبها من القارّة السمراء التي تستهلك ثلث هواتف الشركات العالمية المصنّعة للهواتف الذكية. كما أن سيرة بول كاغامي خالية من الجرم والانتهاكات في مجال حقوق الإنسان، وهو يستحق وسام "نوبل للسلام" بحق.
3F6C2AC1-09AD-4357-AA15-D946B74B0C95
الشافعي أبتدون