عن "الموت في الزنزانة"

عن "الموت في الزنزانة"

23 يناير 2020
+ الخط -
أذاعت فضائية التلفزيون العربي وثائقياً بعنوان موت في الزنزانة، وثقت فيه شهادات حية من معتقلين سابقين نجوا بأعجوبة من الإهمال الطبي الذي كاد يودي بهم. ومن أهالي معتقلين؛ قضوا نحبهم في السجون نتيجة الإهمال الطبي، وذكروا غيضاً من فيض، بألم يعتصر قلوبهم، ودموع تنساح من عيونهم، مشاهد رهيبة من التعذيب والإهمال الطبي وأوضاع عامة بائسة للسجناء داخل محبسهم لم يراعِ فيها السجان أدنى شرط من شروط حقوق الانسان.

لقد كانت شهادات مروعة وفظيعة، وتفاصيل يشيب من هولها الولدان! والإهمال الطبي الذي تبين من الشهادات وأرقام وتصريحات منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية؛ بأنه مدروس، ووسيلة معتمدة للنظام للتخلص من المعارضين له؛ عن طريق القتل البطيء المصحوب بالألم!

والنظام حين يتعامل مع المعتقلين، والمحكوم عليهم بهذا الإهمال يخالف صراحة نص القانون الذي وضعه، ويضرب بنصوص الدستور عرض الحائط. فقد نصت المادة 36 من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956: "على كل محكوم عليه يتبين لطبيب أنه مصاب بمرض يُهدد حياته بالخطر أو يعجزه عجزاً كلياً يُعرض أمره على مدير القسم الطبي للسجون لفحصه بالاشتراك مع الطبيب الشرعي للنظر في الإفراج عنه.. ويتعين على جهة الادارة التي يطلب المفرج عنه في دائرتها عرضه على طبيب الصحة لتوقيع الكشف الطبي عليه كل ستة أشهر".

وتنص المادة 486 من قانون الإجراءات الجنائية على: "إذا كان المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية مصاباً بمرض يُهدد بذاته أو يسبب التنفيذ حياته للخطر جاز تأجيل تنفيذ العقوبة عليه".


وجاء في الفقرة الأولى من المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية صدقت عليه مصر عام 1981: "الحق في الحياة هو الحق الأعلى الذي لا يجوز الخروج عليه حتى في أوقات الطوارئ العامة".

كما ألزمت المادة 34 مكرر المنشآت الطبية الحكومية والجامعية بعلاج المسجونين المحالين إليها من السجون. وقد خصصت اللائحة الداخلية للسجون رقم 79 لسنة 1961 المواد من 24 وحتي 60 للرعاية الصحية للمسجون.

والواقع المؤلم يشهد بأن الرعاية الصحية للمعتقلين تكاد تكون منعدمة، وانعدام الرعاية كان سبباً لارتفاع حالات الوفاة بين السجناء، بل جاء الإهمال الطبي في المرتبة الأولى كسبب للوفاة بنسبة 70.67% بواقع 677 حالة وفاة منذ الانقلاب العسكري في 2013 وحتي ديسمبر 2019 حسب تقريركوميتي فور جستس. بالإضافة إلى ثلاثة سجناء قضوا نحبهم خلال يناير 2020 الجاري ليصل العدد إلى 680 حالة وفاة.

كما جاء في التقرير، أن العدد الأكبر من الوفيات كانت في أقسام ومراكز الشرطة بواقع 374 ضحية، ثم في السجون بواقع 269 ضحية، ثم معسكرات قوات الأمن بواقع 11 ضحية، ثم في مستشفيات السجون بواقع 8 ضحايا، ثم في مقر المحكمة بواقع 7 ضحايا، ثم في السجون العسكرية بواقع 4 ضحايا، ثم في سيارة الترحيلات بواقع 3 ضحايا، ثم مقار الاحتجاز المجهولة بواقع ضحية.

تتجلى مظاهر الإهمال الطبي تجاه السجناء المرضى من قبل النظام في: نقص حاد في عيادات ومستشفيات السجون، والموجود منها مع قلتها سيئة الإعداد وفاقدة للتجهيزات الطبية وغير لائقة لعلاج المرضى، مع غياب الأسرة النظيفة والكادر الطبي المؤهل من أطباء وممرضين، وندرة الأجهزة والمعدات الطبية، ووسائل اكتشاف المرض وتشخيصه من معامل تحاليل وأقسام للأشعة وغيرها. على الرغم من ارتفاع المخصصات المالية لوزارة الداخلية في الموازنة العامة، إلا أن تلك الأموال تنفق في التسلح وبناء السجون الجديدة التي وصلت إلى 26 سجناً جديداً.

كما أن أطباء السجون لا يخضعون لمحاسبة ورقابة نقابة الأطباء؛ التي لا تمتلك قائمة بأسمائهم. ولا يمكن للسجين المريض أو من مرض داخل السجن أن يصل إلى طبيب السجن بسهولة، أو بشكل مباشر وسريع! ففي حالة إذا ما مرض سجين أن يقوم زملاؤه بتبليغ حارس العنبر المباشر بأن هناك سجيناً مريضاً ويتألم. فإذا وافق الحارس وتفضل عليهم وأشفق على مريضهم أبلغ الضابط المسؤول، الذي يقوم بدوره إذا وافق هو أيضاً بإبلاغ إدارة السجن، والتي تبلغ العيادة وتحضر الطبيب؛ والذي لا يوجد إلا في ساعات العمل الرسمية فقط من الصباح وحتى الساعة الثانية بعد الظهر. وبهذه الطريقة العقيمة والتي تستغرق وقتاً طويلاً يتضاعف فيها مرض السجين، ويزداد ألمه ووجعه.

ويقوم الطبيب حسب اللوائح الداخلية للسجون في حالة عدم توفر المتطلبات الطبية اللازمة في السجن أو مستشفى السجن أن يوصى بنقل السجين إلى مستشفى خارجي، غير أن هذا لا يحدث، ولا يحترم أحد هذه اللوائح. بدليل رصد 19 حالة من مرضى السرطان منذ 2014 لم يُسمح لهم بالوصول إلى المستشفيات المتخصصة، أو تلقي العلاج المناسب، مما تسبب في وفاتهم في الحجز بسبب الإهمال.

ومنها حجب إدارة السجن معلومات وتقارير عن مرض السجين وعدم التصريح بها للمريض وإخفاؤها عن أهله لفترة طويلة حتى يبقى السجين المريض لفترة أطول في محبسه، يتمكن المرض خلالها من جسمه ويقضي عليه. وقد وصلت فترة إخفاء التقارير والمعلومات الطبية الخاصة بمرض المساجين الخطر لستة أشهر حتى أعلنوا عنها.

ومنها منع الأغطية التي تقي برد الشتاء، وكذلك منع الملابس الشتوية، والطعام الصحي والساخن، ومنع أدوية الأمراض المزمنة مثل أمراض الضغط والسكري والكبد والكلى والأورام.

كل هذه المظاهر لتدل بوضوح على تعمّد النظام قتل المعارضين له عن طريق الإهمال الطبي، وتلذذه بالقتل البطيء، والاستمتاع برؤية السجناء يتألمون ويصرخون من شدة الألم. وقد تجمعت كل هذه المظاهر في كل السجناء الذين قضى عليهم الإهمال الطبي، ومنهم الرئيس محمد مرسي أول رئيس منتخب؛ وقد رفضوا علاجه، ومنعوا عنه أدوية أمراضه المزمنة! حتى سقط بعد ست سنوات من الحبس الانفرادي نتيجة هذا الإهمال.

ومشاهد محاكمة مبارك والاهتمام الطبي به، وبعلاجه ونزوله في مستشفى عسكري مجهز مع خلوه من كل الأمراض التي كان يعاني منها مرسي لتبين بكل وضوح تعمد النظام التخلص من الرئيس مرسي ومن كل المعارضين.

وليس لدى النظام في الحاضر أو في المستقبل القريب نية للاهتمام الطبي بالسجناء المرضى، أو بتطبيق نصوص قوانين ولوائح السجن الخاصة بحقوق السجناء في تلقي العلاج والمعاملة الإنسانية الكريمة، التي تصل إلى حد الإفراج الصحي، حفاظاً على صحة السجين.

بل من المتوقع ومع كل صيحات منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية، وإداناتها المتكررة وبياناتها ومناشدتها المجتمع الدولي سرعة التحرك لنجدة السجناء المرضى والدفاع عن حقوقهم في تلقي العلاج المناسب في المكان المناسب. رغماً عن كل هذا وحتى مع وفاة سجناء يحملون الجنسية الأميركية والأوروبية نتيجة الإهمال الطبي أيضاً؛ لن يتوقف النظام عن سياسته المنهجية في استخدام كل وسائل القمع بلا رحمة وبلا هوادة في التعامل مع المعارضة بكافة أشكالها الإسلامية والليبرالية والعسكرية والقضائية والأكاديمية والمحايدة من أجل القضاء عليها، وتخويف كل متضرر من سياسته ولم يعارض بعد، وتوطيداً لحكمه وحماية لعرشه.