عن "المؤامرة" على القمة

عن "المؤامرة" على القمة

20 يناير 2019
الصورة
+ الخط -
انشغلت أوساط لبنانية، خلال الأيام الماضية، بالحديث عن ضعف مستوى المشاركة في القمة الاقتصادية المقرّر أن تُعقد اليوم في بيروت، ووصل الأمر ببعضهم إلى اعتبار أن الأمر مقاطعة من زعماء بعض الدول للبنان، بناء على ضغوط أميركية، إذ لم تتأكد سوى مشاركة أمير قطر ورئيسي الصومال وموريتانيا، فيما اعتذر باقي الرؤساء عن عدم الحضور. هذا الربط غير المنطقي بين تدني مستوى التمثيل وواشنطن يؤكد مجدّداً مدى تغلغل "نظرية المؤامرة" في العقول العربية عموماً، وربما اللبنانية تعيينا، خصوصاً أن معطياتٍ كثيرة سبقت القمة، وربما مع القياس على قمم عربية سابقة، كانت تؤشر إلى أن عدد الزعماء الذين سيحضرون القمة لن يتعدّى عدد أصابع اليد الواحدة.
قبل الحديث عن التمثيل في القمم بشكل عام، ربما يجب العودة إلى الأحداث التي شهدتها بيروت في أثناء التحضيرات للقمة الاقتصادية، وخصوصاً بعد إنزال شبان محسوبين على حركة أمل التي يتزعمها رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، أعلام ليبيا التي كانت مرفوعة في شوارع العاصمة اللبنانية. تحرّك لم يكن عفوياً بالمطلق، بل جاء بإيعاز من رئيس مجلس النواب الذي أصر على رفض مشاركة ليبيا، ملوحاً بـ "6 شباط سياسي وغير سياسي"، في إشارةٍ إلى معارك إسقاط اتفاق 17 أيار في عام 1984، وهو الاتفاق الذي أبرمه الرئيس اللبناني في حينه، أمين الجميل، مع الحكومة الإسرائيلية.
جاء تلويح برّي بالتحرّك في حال دعوة ليبيا إلى القمة بما هو معلن على خلفية قضية اختفاء مؤسس حركة أمل، موسى الصدر، بعد زيارته ليبيا، واتهام نظام العقيد معمر القذافي بإخفائه. غير أن هناك أسباباً أخرى تدفع برّي وغيره إلى محاولة إفشال القمة الاقتصادية على خلفية عدم دعوة سورية إليها. وقد سبق لبرّي نفسه أن دعا إلى تأجيل القمة إلى ما بعد القمة العربية المقبلة في تونس، المقرّر أن تناقش عودة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية. كانت القوى الحليفة لسورية في لبنان، وفي مقدمتها حركة أمل وحزب الله، ولا تزال، تسعى إلى إفشال القمة وعدم عقدها من دون مشاركةٍ سورية. والدعوات اليوم إلى الرئيس اللبناني عدم المشاركة في القمة، بحجة أن المستوى متدنٍ، تأتي في سياق المحاولات المستمرة لعدم عقد القمة في بيروت من دون وجود نظام الأسد، وربما مشاركة الأسد شخصياً، بحيث تكون بيروت بوابة عودة هذا النظام إلى "الحضن العربي".
من الطبيعي، بعد هذه الأجواء السياسية والأمنية، أن يكون هناك اعتذار من معظم الزعماء العرب عن المشاركة في قمةٍ، هي بالأساس غير دورية، وغالباً ما تكون قراراتها، مثل سائر القمم العربية، حبراً على ورق. ومن المرجّح أن القراءة الاستخبارية العربية لمساعي أطراف لبنانية فاعلة عدم عقد القمة، ساهم في غياب الزعماء، خصوصاً أن هناك إدراكاً بأن الدولة اللبنانية غير مسيطرة على البلد بشكل تام، وأن حكم المليشيات لا يزال قائماً في لبنان، وأن إفشال القمة أو عدم عقدها قد يتخطّى التصريحات السياسية إلى ما هو غير سياسي، بحسب التعبير الذي استعمله برّي حين هدد بـ "6 شباط جديد".
بناء عليه، التباكي اللبناني اليوم على ضعف المشاركة العربية في القمة الاقتصادية غريب، وربطه بضغط أميركي أغرب، فإذا كان هناك مؤامرة فعلية لإفشال القمة، فهي مؤامرة داخلية، فالواضح أن أطرافاً رسمية فاعلة في لبنان لم تكن تريد لهذا الاجتماع أن يعقد في لبنان في الظروف الحالية، وهو ما أوصل إلى الشكل الذي تعقد فيه القمة اليوم. شكل يحفظ "ماء وجه جامعة الدول العربية" غير أنه يزيد تشويه صورة لبنان.