عنّة العراقية... سحر الفرات الذي يقاوم خراب "داعش"

عنّة العراقية... سحر الفرات الذي يقاوم خراب "داعش"

28 يناير 2017
الصورة
النواعير تميز مدينة عنّة (Getty)
+ الخط -


وسط منطقة أعالي الفرات العراقية بمحافظة الأنبار، غرب البلاد، بنحو 350 كلم، غرب بغداد ومنذ 42 قرناً تغفو مدينة "عنّة"، التي تعد واحدة من أقدم مدن العالم، بحسب بعض المصادر التاريخية، ومنها خرجت أبرز الشخصيات العراقية العلمية والأدبية على مدى العقود الطويلة الماضية.

وتقع مدينة عنة على ضفة نهر الفرات وتبعد نحو 212 كيلومترا غرب مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، وقد فتحت على يد عمير بن سعد في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 37 هـ. مر بها الخليفة هارون الرشيد وهو في طريقه من بغداد إلى الرقة وكانت محطة استراحة جيوش المتطوعين مع صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس.

وذكرت المدينة في المخطوطات البابلية والمخطوطات العائدة لآشور ناصربال الثاني وتوكولتي - نينورتا الثاني، وذكرها مؤرخون مثل أميانوس مارسيليانوس والقديس إيسيدور الإشبيلي وأبو الفداء. وتشير بعض المصادر القديمة إلى أن مدينة عنّة العراقية كانت عبارة عن مدينة جاذبه للشعراء الذين يفدون من الصحراء طلبا لصفاء الخاطر لكتابة الشعر، وتعد من المدن العراقية القديمة التي ترتقي أخبارها إلى زمن الدولة الآشورية. وتعتبر عنة من أطول المدن القديمة، فهي تمتد على ضفة نهر الفرات اليمنى مسافة عشرين كيلومتراً.

سكان المدينة حالياً هم من العرب، من قبائل لها فروع في شبه الجزيرة العربية وسورية، أما أصل سكانها القدامى قبل الفتح الإسلامي لبلاد الرافدين فهم من الكلدان والبابليين، وكانت توجد فيها طائفة من اليهود الذين غادروها في الخمسينيات من القرن العشرين.


سرّ تسميتها


تقول المصادر التاريخية منذ العهد البابلي القديم إن مدينة عنة جاءت بصيغة (هانات) وكانت مركز مملكة على الفرات يعرف باسم خاني، ويدل هانات في اللغة البابلية على القدسية حيث يكتب الاسم بصفة (ها ـ نا ـ ا ت) وغالبا ما يكتب مسبوقا باسم الإشارة المقدسة. كما وردت عنة بهذه الصيغة في زمن الملك (زمرى وليم) ملك مارى (تل الحريري) سنة 1782-1759 ق.م.

وضمها الملك البابلي حمورابي إلى مملكته مع جميع مدن الفرات الأوسط ومملكة مارى في سني حكمه الـ35. وكانت مركز إقليم ومملكة في الفرات الأوسط يدعى خاني، امتد على ضفاف الخابور والفرات. كما عرف هذا الإقليم بعد ذلك في المصادر الآشورية باسم سوخي. ولا يُعلَم معنى اسمها وهل له صله باسم آلهة عبدها الساميون في بلاد الشام باسم عانه وأناته وكان قرينه الإله السامي اتل الذي ذكر بكثرة في المصادر اليونانية والرومانية بصيغة أناتا أو أناتو، كما سماها العرب بصيغه عانه وعانات، والصيغة الأخيرة في الاسم الشامي القديم، واختلفت المصادر العربية في مصدر اسمها، فمنهم من قال إنها تعني قطيع الحمر الوحشية.


أهميتها التاريخية


تعرضت مدينة عنّة خلال تاريخها الطويل إلى ما يقارب 150 هجوما من أقوام متعددين، وكان لموقعها التجاري أثر مهم، حيث كانت نقطة التقاء أهم طريقين تجاريين، كما أن لموقعها العسكري أهمية في شد الأنظار إليها، فقد كانت في زمن الدولتين البابلية القديمة والآشورية مركزاً سوقيا مهما بالنسبة للجيوش التي تذهب إلى بلاد الشام، وكان نهر الفرات يمثل خطا دفاعيا شيدت عليه الحصون والقلاع لأغراض الدفاع عن قلب العراق ضد هجمات القبائل التي نزحت من جزيرة العرب والتي كانت تحاول العبور إلى الجانب الشرقي من النهر.

وفي الدولة البابلية الحديثة أصبحت لمدينة عنة وعموم المنطقة أهمية أكبر من الناحية العسكرية، حيث إن جيوش هذه الدولة كانت باستمرار تنطلق عبر هذه المنطقة باتجاه بلاد الشام ومصر.

ومر بمدينة عنّة عدد من الرحالة الأوروبيين، ومن أشهرهم بنامين والرحالة البلجيكي موسيل والبريطانية (مس بيل) بصيغة رحالة تبحث عن الآثار، وقد بنى بالقرب منها أحد أمراء المناذرة المسمى معين الذي كان من مشاهير القادة في عهد شابور الثاني (309-379 ب.م) ديرا مشهورا ترهب فيه طوال سبع سنوات.





أشهر معالمها


من أشهر معالمها التاريخية قلعة عنة الأثرية (مئذنة عنّة)، بعد غرق المدينة القديمة نقلت المئذنة بعد تفكيكها إلى المدينة الجديدة على يد شركة إماراتية، وفي عام 2006 تعرضت للتفجير على يد مجهولين يعتقد أنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة آنذاك، وبعد سقوط المدينة بيد داعش فجرت من جديد.

تحتوي المدينة على جامع في وسط المدينة يسمى الجامع الكبير، شيد ضمن مخطط المدينة على يد الشركات الفرنسية التي قامت بإنشاء مدينة جديدة كتعويض من الدولة العراقية عن المدينة التي غرقت نتيجة إنشاء سد حديثة، كما يحتوي كل حي من أحيائها على سوق مركزي ومسجد.

وتشتهر عنّة بالنواعير التي كانت تجلب الماء إلى الأراضي الزراعية من نهر الفرات، وهي نواعير ابتكرها أبناء وادي الرافدين، إلّا أنّ خريرها سكت الآن، ولم يعد يُسمع.


كوادر من سكانها


أغلب السكان في تلك المدينة محبون للعلم، وتخرجت منها عقول كبيرة من العلماء والأدباء في مختلف المجالات الطبية والهندسية والقانون وأساتذة الأدب والفنون والشعراء، ومنهم الطبيب عزت مصطفى، وزير الصحة السابق، الذي قدم خدمات كثيرة للمدينة، والسياسي والمحامي والرحالة العراقي الأديب توفيق الفراتي، والملا قاسم أفندي، مفتي عانة في عهد الدولة العثمانية، وحفيده الطبيب المعروف قاسم توفيق المفتي، ليس كما كان الحال في العديد من مناطق العراق في الأربعينيات أو الخمسينيات من القرن الماضي، لذلك كانوا يشجِّعون الأبناء على القراءة ومواصلة التعليم.

وإنّ الفتاة العانيّة تمكنت بفعل وعي الآباء والأجداد آنذاك من مواصلة التعليم أيضاً، والذين انتشروا في العديد من أرجاء العراق، وكانت لهم العديد من التجمّعات الكبرى في بغداد، محافظين فيها على خصالهم وطبائعهم، والتي من أبرزها جود النفس والكرم.

وتمتلئ المساجد بالمصلين وقت الصلاة، حتى أن بعضهم يصلي في الباحات الخارجية للمساجد لعدم وجود متسع في حرم المسجد. على امتداد النظر، لا يمكن إلّا أن ترى تلك الخُضرة الجميلة التي تغطي الأرض، والماء الذي يحيطها من كل جانب، وفوق هذا وذاك تميّزت عنة وأهلها بالجمال، فالبشرة البيضاء والشقراء هي العلامة الفارقة لكل أهل عنة.


دلالات