عندما يضرب "داعش" في فلسطين.. وغيرها

21 اغسطس 2017
الصورة
+ الخط -
من غزة إلى برشلونة، يعيد تنظيمُ الدولة الإسلامية (داعش) تذكيرَ العالم به، بالقتل المُروِّع والتدميري، نهجٌ يستمرئ الهدم سبيلا إلى التحقُّق، من دون أن يفتح هذا النهجُ الدمويُّ أيَّ أفق للبناء. وأيُّ بناء ذاك الذي يتأسَّس على القتل والترويع، بل الذي يتجرَّد إلا مِن أدوات تظهير هذه الأداة الإزهاقية، بالإعلام المحترف، أو بالخطاب البلاغي البرَّاق؟
بعد الضربات العميقة التي تعرَّض لها "داعش"، والخطر الوجوديِّ الذي أصبح يستشرفه، في مَعْقِليه العراقي والسوري، يجد نفسَه مدفوعا أكثر نحو إثبات الحضور والفاعلية، بعمليات قليلة الكلفة، وواسعة الأثر إعلاميا. بعمليات متفرِّقة غير متوقَّعة في الهدف، وفي الوسيلة، ومسرح الجريمة، حتى فلسطين، وبالذات غزة التي يواجه أهلُها حصارا ومعاناة مزمنة.
كأنَّ فلسطين لا يكفيها الاحتلال والتهويد وتهديد المُقدَّسات والموارد، ولا الانقسامُ الحاصل فيها، وغزة التي يشتدُّ الضغطُ عليها من طرف الانقسام الآخَر المقيم في رام الله؛ لحملها على الانضواء تحت مشروع سياسيٍّ، أقلُّ ما يقال فيه إنه مضطرب بعمق، حول خياره الأول، وهو التفاوضي، تحت قيادة أميركية مضطربة، وغير واضحة الرؤية، أو وافية التصميم على الالتفات إلى الشأن الفلسطيني، وحقوقه المُضيَّعة. وفي وسط ظروف عربية أيضا يتِّسعُ فيها التنازع، يتوعَّد تنظيم الدولة الإسلامية حركة المقاومة الإسلامية، حماس، في قطاع غزة الذي يعاني مع الحصار عبئا سكَّانيًّا شديد الاكتظاظ، والذي يجاور منطقة شبه جزيرة سيناء التي تفشل فيها قيادةُ مصر الراهنة، في تجفيف الجماعات المسلَّحة، ومنها "داعش"، المنطقة التي أصبحت نقطة جذبٍ لمتعاطفين مع التنظيم، ومنهم الذين اعترضهم أمنُ الحدود التابع لـ"حماس"، ليعلن فرعُ داعش في سيناء، في نعيه الانتحاري الذي نفَّذ العملية في شرق معبر رفح، وأفضت إلى مقتل القسّامي الذي كان ضمن قوة أمنية، وجرح آخرين من القوة نفسها، عن مسؤوليته عنها، وقال تنظيم داعش (ولاية سيناء) إنَّ العملية الانتحارية جاءت ردًّا على أعمال "حماس" ضدَّ السلفيِّين الجهاديِّين، وعناصر التنظيم في قطاع غزة.

ويُخشى أنْ تُعمِّق هذه الشرارةُ من قساوة الحياة في القطاع الذي يعاني أصلا تراجعا خطيرا في شروط العيش الإنسانية، على صعيد الاحتياجات الحيوية، من ماء صالح وغيره، وأن تفتح الباب لتداعيات أمنية خطيرة، لا يحتملها وضعُ القطاع المتأهِّب دوما لمواجهة حروب عدوانية احتلالية. وعلى الرغم من أن القطاع يشهد حالة تجاذُب إقليميٍّ حادّة، ومن أن قيادة "حماس" تناور بين خياراتٍ وإكراهاتٍ، إلا أنَّ الجميع لا يستفيد إذا انفلتت الأوضاع في القطاع عن السيطرة، وإذا انعدم العنوانُ السياسيُّ الذي يمكن التفاهم معه، أو الضغط عليه، وإذا فقدت، أو ضعفت السيطرة الأمنية الداخلية في القطاع الملتهب.
تتوسَّط هذه الاعتداءات (الداعشية) مناخا عالميا يتزايد فيه النزوع العنصريُّ، ومشاعر الكراهية، في اتجاه نُكوصيٍّ، يتجاهل عُقْمَ تلك التوجُّهات، تاريخيًّا، بل نتائجها المُدمِّرة، على صعيد الأرواح البشرية والخسائر الحضارية والمادية. كما النازيون الجدد والعنصريون في الولايات المتحدة التي هزَّت اعتداءاتُهم وشعاراتُهم البناءَ الاجتماعيَّ الأميركي، وكشفت عن الخلل في رؤية الرئيس، رونالد ترامب، الذي لم يُظهِر التنديد الذي تستحقُّه الحركة الخطيرة في ردّة فعله الأولى، ولم ينجُ رئيسُ الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو من المَطبّ، عندما تأخَّر (بعد صمت أيام) في التنديد بالتوجُّهات اللاسامية والنازية الصارخة التي تخلَّلتْ أحداث شارلوتسفيل؛ ليَظهر بمظهر مَن يعطي الأولوية لعلاقته باليمين المتطرِّف الأميركي أكثر من مسؤوليته بشأن "الشعب اليهودي"؛ ما يعزِّز القول بوجود أزمةٍ ما في المستوى السياسي في العالم.
ولتتيح تلك الهجماتُ الإرهابيَّةُ التي يتورّط بها مسلمون في الغرب لدعوات حاخاماتٍ يهود تُخوِّف اليهودَ المقيمين في الغرب؛ وتُروِّج أفكارا معادية للمسلمين، وللفلسطينيين، كما فعل مائير بار الحاخام الرئيسي لليهود في برشلونة الذي شجَّع المواطنين اليهود على مغادرة إسبانيا التي وصفها بأنها محور الإرهاب الإسلامي في أوروبا، ودعا يهود إسبانيا إلى الانتقال إلى "إسرائيل" وشراء عقارات فيها.
هذا المناخ العالمي الذي تتزايد فيه الكراهية، يُغذّي بعضه بعضا، مع اختلاف المرجعيَّات، ومع أصالةٍ كامنة في العقل التمييزي الإقصائي. وليس من الإنسانية أو العدالة أن يُنقَل الخلاف مع الدول والسياسات إلى الشعوب، على اختلافها، وعلى مدنيَّتها، وليس من المعقولية أن تجعل جماعةٌ أو تنظيم، (هذا إذا انطبق عليها وصفُ جماعة، أو تنظيم) نفسَها ندّا للدول، بل عدوًّا للشعوب، فلا هي تتعامل تعامُل الدول، ولا هي مؤهَّلة لذلك واقعيا وسياسيا.
ولا ضمانة لوقف تلك الأعمال اليائسة التي تبقى ممكنة، في الغرب، وفي بلاد العرب والمسلمين؛ لأن الوسائل تتعدَّد، والسيطرة الأمنية لا يمكن أن تكون مطلقة دائما، وأيّ حدث عدواني، ولو تباعدت الفترة، سيكون صادما ومُبقِيا للقلق والخوف، إلا أنّ مِن المهم عزلَ تلك التوجُّهات، قدر المستطاع، بأن لا يُسمَح لها بأن تُلقي بشرِّها العقيم في صيرورة الحياة السياسية والفكرية، وهي لا تحمل صدقيَّة فكرية، أو معانيَ سياسية.