عندما يسود الجَهْلُ والجُهَّال

29 مايو 2020
الصورة
يلجأ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تفنيد أي حقائق أو معلومات مؤكدة لا تروقه، إلى الزعم أنها "أخبار زائفة"، ويضعها في سياق "مؤامرة" تستهدفه وتستهدف رئاسته. هذا أمر أصبح معلوماً لا جديد فيه، ومعركته أخيراً مع موقع تويتر تأكيد لذلك. يعلم ترامب أن مثل هذه المعارك مع "العدو المُصْطَنَعِ"، في أحيان كثيرة، سواء أكان "الدولة العميقة"، أم الديمقراطيين، أم شركات التكنولوجيا في وادي السيلكون، تعزّز تماسك قاعدته الانتخابية واصطفافها خلفه. ولكن ما لا ينتبه إليه كثيرون، أن وراء مثل هذه المعارك المُفْتَعَلَةِ، في الغالب، جهلاً بليغاً وسفاهة منفلتة، وذلك كما الحال عندما اقترح قبل بضعة أسابيع، في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، معالجة المصابين بفيروس كورونا، عبر تسليط ضوء (بطريقة ما) داخل أجسادهم، أو عبر الحقن بمواد التنظيف المنزلي، كالكلور! الأخطر من ذلك، أن الجهل ثقافة ليس حصراً في ترامب ولا حكراً عليه، بل أصبحت ظاهرة عالمية نعيشها اليوم، يستوي فيها كثيرون من متعلمين وغير متعلمين، ومسيسين وغير مسيسين، غربيين وعرباً وغيرهما، وبغضّ النظر عن التوجهات الفكرية والأديان والأعراق.
دافع الكلمات السابقة حدثان رئيسيان وقعا في بحر الأسبوع الماضي. الأول، صدور دراسة طبية سريرية واسعة، يوم الجمعة الماضية، في مجلة "ذي لانسيت" الطبية، اعتبرت اللجوء إلى عقار الكلوروكين أو مشتقاته مثل هيدروكسي كلوروكين لمعالجة فيروس كورونا، ليس فاعلاً، وقد يكون ضاراً، وذلك على الرغم من أن دولاً عديدة استخدمته في مستشفياتها منذ نهاية مارس/ آذار الماضي. والثاني، مخالفة بعض الدول العربية والإسلامية، كالصومال وموريتانيا والنيجر ومالي، في نهاية شهر رمضان ودخول العيد، ففيما أفطر أغلب المسلمين يوم الأحد الماضي، عَيَّدَ هؤلاء يوم السبت، رغم استحالة رؤية هلال شوال، علمياً، مساء الجمعة.
لا يعنينا في ما سبق اختلاف التقويمات العلمية والآراء الفقهية، ما يعنينا أن يكون دافع تبني 
جاهل لرأي هو الجهل ذاته، وتصفيق جهلة آخرين له، وما يرتبه ذلك على مصائر الناس، بل والبشرية. ولعل لا مبالغة في القول الجازم إن كثيراً من المعلومات الخاطئة والمضللة يكون مصدرها، في أحيان كثيرة، شخصيات مشهورة ومعروفة، فيأخذ الناس منهم "علماً" زائفاً، أو ضحلاً، أو مرجوحاً. دع عنك، طبعاً، التفاهات في حالة آخرين من سقط المتاع، وخصوصاً بين مشاهير على موقع "يوتيوب".
في الموضوع الأول، شملت الدراسة السريرية الطبية الواسعة 96000 مريض تأكدت إصابتهم بفيروس كورونا، عولجوا في 671 مستشفى، بين أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2019 ومنتصف إبريل/ نيسان الماضي. ووجدت الدراسة أنّ من بين 15000 مريض أعطوا عقار هيدروكسي كلوروكين أو الكلوروكين وحده، أو أحدهما أو كليهما معاً مع مضادات حيوية، فإنه إما ارتفعت معدلات الوفيات بينهم أو حصل عندهم اضطراب وعدم انتظام في ضربات القلب. هيدروكسي كلوروكين هو العقار نفسه الذي ذكره ترامب، مرات، علاجاً سحرياً للفيروس، بل إنه كان أعلن قبل عشرة أيام أنه هو شخصياً يتعاطاه بانتظام، قبل أن يتوقف عن ذلك مع تصاعد التحذيرات منه. وهو العقار ذاته الذي سوّقته مجموعة كبيرة بناءً على رأي خبير فرنسي لم يُخْضِع الدواء للتجربة والملاحظة السريرية بشكل كافٍ، كما هو متعارف عليه علمياً. وهو العقار الذي يصرّ رئيس شعبوي آخر الآن، البرازيلي جايير بولسونارو، على فرضه في بلاده التي تحولت إلى البؤرة الثانية للجائحة بعد الولايات المتحدة. وهو العقار الذي رَوَّجَه صيدلاني أردني مشهور على وسائل التواصل الاجتماعي، من الذين يتحدثون، كمرجع مُتَعَمِّقٍ، لا مجرد ناقل علم واسع الاطلاع، وهو كذلك، في الطب والدين والفلسفة والسياسية... إلخ، حتى وإن زعم أنه لم يوصَ به بقدر ما أنه نبّه إلى ما يقال عن العقار.
بغضّ النظر عن التعليلات والمسببات للأطراف السابقة، فإن النتيجة واحدة، إذ إن أيَّاً من هؤلاء 
لم يؤسس رأيه على دراسات طبية مُوَثَّقةٍ، بل تبنوا رأياً طبياً، سمعوا به أو قرأوا عنه، فيما العقار قيد الدراسة والبحث، ومن موقع السلطة أو الشهرة ساهموا في نشره بين العوام الباحثين عن أي وسيلة تقيهم الفيروس الخبيث، فكان ذلك سبباً، محتملاً، في هلاك كثيرين. ولعله مفيد أن يُذكر هنا أنك في دول نامية كثيرة تستطيع أن تحصل على عقاقير كثيرة من دون وصفات طبية، على عكس ما هو معمول به في الغرب. ونحن نعلم عن حالة موثقة لوفاة أميركي ودخول زوجته المستشفى في وضع حرج، في شهر مارس/ آذار الماضي، في مدينة فينيكس في ولاية أريزونا، بعد أن تناولا مادة "فوسفات الكلوروكين" التي تستخدم لتنظيف أحواض الأسماك في المنازل. لقد دفع الجهل بهما إلى تبنّي رأي جاهل، هو للمفارقة رئيس أعظم دولة، الولايات المتحدة الأميركية!
في الموضوع الثاني، لم تكن تلك الدول الإفريقية العربية والمسلمة هي فقط من أعلن العيد ورؤية هلال شوال، مساء الجمعة، على الرغم من استحالة ذلك علمياً، بل تبعها أئمة مساجد في أميركا، فأفسدوا على المسلمين الأميركيين حلاوة وحدة نادرة غمرتهم عندما صاموا شهر رمضان لهذا العام معاً، بعد أن اتبعت، السعودية، على ما يبدو، الحساب، لا الرؤية الفعلية فحسب. ويطالب المسلمون الأميركيون، منذ سنوات طوال، بالاعتراف بأعيادهم الدينية رسمياً، على المستوى الفيدرالي، تماماً كما هو الحال مع الأعياد المسيحية واليهودية. ولكن عقولاً متحجّرة، لا تنتمي إلى هذا العصر، على الرغم من أنها تقيم في أحد أكثر البلدان تطوراً، اختارت تعطيل عقولها، والتحالف، ضمنياً، مع المصابين بعداء الإسلام، و"خربطت" أوراقنا هنا، إذ كيف يمكن الاعتراف بأعياد دينية لا يَعْرِفُ أصحابها متى تدخل ومتى تنتهي بالضبط، بما يترتب على ذلك من مرونة في العمل والمدارس لأطفال المسلمين الأميركيين!؟
المفارقة في هذا السياق، أن أحد هؤلاء الأئمة الذين أسسوا لهذا الانشقاق كتب على صفحته على "فيسبوك" بتبجّح ينمّ عن استقالة العقل أنه لا يهمه ما يقوله العلم، فهو على مذهب "شيخه"، 
مفتي السعودية الراحل، عبد العزيز بن باز، بأنه "لا عبرة في اختلاف المطالع"! وبالتالي، فتأكيد علم الفلك استحالة رؤية الهلال، لا بالعين المجردة فحسب، بل وحتى بالتلسكوبات مساء الجمعة الماضية، "استحالة قاطعة"، ببساطة "لأن القمر غير موجود في السماء وقتئذ"، حسب تقرير "المشروع الإسلامي لرصد الأهلة" التابع لمركز الفلك الدولي، لا يعني له شيئاً! وكان تقرير المركز قد أكد أن "رؤية الهلال في ذلك اليوم (الجمعة) مستحيلة من جميع دول العالم الإسلامي (الأمر ذاته انطبق على دول أفريقيا وجنوب أوروبا والأميركيتين وكندا) بسبب غروب القمر قبل الشمس، وبسبب حدوث الاقتران (تولد الهلال) بعد غروب الشمس".
الأمر هنا مثال على فكرة المقال، لا المقال بحد ذاته. ولكن، لعل من المفيد الإشارة إلى أن العلم يوفر بدقة بالغة متى يولد القمر، ومتى تمكن رؤيته لسنوات كثيرة مفتوحة، كما هو الحال في دخول الأشهر الشمسية. (بالمناسبة، لو قال من عَيَّدوا السبت إنهم يتبعون الولادة، لكان في رأيهم نظر وحجة، ولكنهم يعتقدون أن الرؤية شرط صحة). وسواء اختار المسلمون الولادة للتأريخ، أو إمكانية الرؤية (هناك خلاف فقهي في المسألة حالياً قائم على اختلاف الأفهام في ما يقوله القرآن الكريم والحديث الشريف في موضوعي الرؤية والحساب)، فإن هذا سيوفر علينا كثيراً من الجهد واللايقين والفوضى في دخول الأشهر القمرية. وإذا كان لا يمكننا أن نعيب على الفقهاء من السابقين ممن قالوا إنه "لا عبرة في اختلاف المطالع"، فالعلم في زمانهم لم يكن قد تطور كما هو اليوم، فإنه لا يمكن سحب الحكم ذاته على من يتبنون اليوم قوالب إفتائية جاهزة ويريدون فرضها على هذه الأمة من دون اعتبار لتغير معطيات الزمان والمكان، وتطور العلم والمعرفة.
باختصار، العلم والتَمَكُّنُ ليسا حلاوة لسان، ولا شهرة، ولا بضاعة مزجاة يغلفها تضخم الذات والأنا وتصفيق الجاهلين، بل هما حصيلة بحث مستفيض، ودراسة مُتَعَمِّقَةٍ، وَتَقَصٍّ وملاحظة وتجربة. لا يزال بعضهم يجادل في هذه الحقائق الأولية. لا يزال بعضهم يُخضع العلم للإيديولوجيا وللمشهور. ولا يزال بعضهم يستهزئ بالدراسات المحكمة علمياً، ربما لأنه لا يفهم معناها.
قبل أسابيع، شاركتُ في برنامج عبر تطبيق "زوم"، وكان مشاركاً فيه "داعية" مشهور. ذكر 
يومها أحاديث نسبها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ورتب عليها نتائج "علمية" و"كونية"، وبعد أن راجعتها اكتشفت أنها إما ضعيفة أو لا تصح. المشكلة، أني لو تجرّأت يومها على تخطئته، لانهال الناس عليَّ شتماً وتشنيعاً. هذا ما نحصده من الجهل ورفض بعضهم أبجديات العلم والتيقن. وهذا هو بالذات سبب انتشار نظريات "مؤامرة"، خصوصاً في زمن جائحة كورونا بناءً على معطيات مكذوبة وأخبار ملفقة يتداولها الناس. هذا لا يعني الجزم بغياب دور للبشر في هندسة الفيروس ونشره، عن قصد أو خطأً، ولكن لا توجد معلومات موثوقة نبني عليها، دع عنك فوضى الإشاعات. وبهذا، يكون ترامب، ومن هم على شاكلته في أي مجتمع، مجرّد جُهَّالٍ يملكون صوتاً عالياً، ومنابر فاعلة، ومتابعين كثراً، بعد أن حسمت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الجديدة معارك كثيرة لمصلحة الجهل على حساب العلم، ويا للمفارقة، بتوظيف التكنولوجيا نفسها!
تعليق: