عندما يستقيل سفير بريطانيا في واشنطن

20 يوليو 2019
الصورة

السفير البريطاني كيم داروك في حوار في واشنطن (28/4/2017/Getty)

جاءت استقالة السفير البريطاني في واشنطن، السير كيم داروك، لتؤشر إلى استمرار مرحلة اضطراب متعددة الأوجه في بريطانيا وفي الولايات المتحدة. وجاءت بعد أزمة دبلوماسية استمرت أياما تصاعد فيها الجدل السياسي والإعلامي، بعد أن نشرت الصحف البريطانية تسريبات لتقارير كان يرسلها إلى لندن تضمنت أحكاما شديدة بحق إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي وصفها بغير الكفوءة والمضطربة والمختلة، إلى درجةٍ تجعل الاعتماد عليها صعبا، وتجعلها مصدرا للمشكلات والأزمات بحسب وصف السفير. رد ترامب طبعا بتغريدات على "تويتر" وتصريحاتٍ عنّفت السفير بقسوة، ووصفته بالغباء الشديد. كما وأعلن ترامب أنه لن يتعامل معه. لم يطلب ترامب أو إدارته رسميا سحب اعتماد السفير، كما وأعلنت رئيسة الوزراء البريطانية منتهية الولاية، تيريزا ماي، وحكومتها دعمها داروك. ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير جاءت عندما لم يعلن بوريس جونسون المرشح الساخن ليصبح رئيس الوزراء القادم في بريطانيا دعمه السفير، فتم تقديم الاستقالة.
كانت الأزمة الدبلوماسية التي أشعلتها التسريبات لتقارير السفير مناسبةً نادرة الحدوث بين الحليفين، الأهمين والأقويين في العالم الغربي. وقد جاءت، بعد زيارة رسمية قام بها ترامب أخيرا إلى المملكة المتحدة، احتفت به خلالها الملكة والعائلة المالكة والحكومة البريطانية. لا يُخفي ترامب حبه وإعجابه ببريطانيا وتقاليدها، ويردّد دائما أن والدته بريطانية اسكتلندية تحب الملكة. وقد كانت الزيارة، وهي الثانية له في عهده رئيسا، مليئة بالمباهج بالنسبة له، إذ كانت زيارة دولة رسمية، تم تقديم كل مظاهر الاحتفاء فيها من ولائم رسمية واستقبال رسمي في قصر باكنغهام الملكي في لندن. ولكنها لم تخف حقيقة وجود خلافات جوهرية بين البلدين بشأن قضايا استراتيجية، فترامب يتدخل، منذ سنوات، في أهم قضية سياسية في بريطانيا، وهي الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي قضية تنقسم بريطانيا حولها بين مؤيد ومعارض، فيما أيدها ترامب منذ البداية ودعا إليها بشدة. كما وتختلف بريطانيا مع الولايات المتحدة بشأن طريقة التعامل مع إيران، وخصوصا في ما يخص الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب، ليصعد المواجهة سياسيا وربما عسكريا مع طهران. ولم ترَ إيران فرصة لاستغلال ذلك 
الخلاف الأميركي ــ البريطاني الذي استمر أشهراً طويلة، لتنسحب عمليا من الاتفاق في الأيام الاخيرة، وتعلن إعادة تخصيب اليورانيوم وخزنه، ما يقرب بين توجهات بريطانيا وأميركا مرة أخرى في الملف الإيراني. كان السفير داروك قد عين في منصبه قبيل تولي ترامب الحكم، ليشهد في موقعه الساخن في واشنطن أجواء غريبة غير معتادة للسفراء البريطانيين في واشنطن الذين كانوا يخدمون في العاصمة الأقرب سياسيا وعسكريا وثقافيا لبلدهم. وجاءت استقالته لتؤكد حجم الاضطراب في الأجواء السياسية في البلدين، فالتسريبات أصلا تكشف خرقا في صفوف الحكومة البريطانية وخللا في الطريقة التي تتعامل بها مع ملفٍ بهذه الحساسية. صحيح أن وثائق مثل تقارير السفير التي تم تسريبها يطلع عليها في العادة مسؤولون كثيرون في وزارة الخارجية البريطانية، وفي دوائر حكومية أخرى، إلا أن الوقت الحالي وطبيعة مضمون التقارير كان يستدعي سرية فائقة وحذرا أكبر. في المقابل، يعيش العالم منذ سنوات في عهد التسريب، وهناك أمثلة قريبة لقصص تسربت، ونشرت على موقع ويكيليكس وغيره من مؤسسات الصحافة التقليدية، حتى قيل إن عهد السرية انتهى إلى الأبد.
انتهت اذن قصة السفير السير كيم داروك في واشنطن، لكنه حظي بإشادات مسؤولين حكوميين كثيرين في بلده، دانوا ما تعرض له من هجوم وضغط، واعتبروا أنه كان يقوم بعمله بأمانة وصدق. وتوصف العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالعلاقة الخاصة لأسباب عديدة تاريخية وثقافية وعسكرية، لكنها تمر اليوم بأزماتٍ، عنوانها الأوحد هو ترامب. والعلاقة مقبلة على تطور غريب، يتمثل في الاحتمالية الكبيرة لصعود بوريس جونسون إلى زعامة حزب المحافظين، وبالتالي إلى رئاسة الوزراء في بريطانيا. وجونسون الذي شغل منصبي وزير الخارجية وعمدة لندن في الماضي سياسي شعبوي غير تقليدي، معروف بتصريحاته وتصرفاته الغريبة والمتقلبة مثل ترامب. وقد أشاد به الأخير فعلا مراتٍ أخيرا. وإذا أصبح جونسون رئيسا لوزراء بريطانيا، وذلك هو المرجح، فنحن مقبلون على مرحلة قد تشهد توافقا شخصيا بين ترامب وجونسون، ولكنها ستشهد أيضا مزيدا من الاضطراب في أروقة السياسة والدبلوماسية في واشنطن ولندن.

تعليق: