عندما يستجدي رامي مخلوف الأسد

02 مايو 2020
الصورة
جالساً، كتلميذٍ في حضرة شيخه، يستجدي سيد نعمته. إنّه رامي مخلوف. الرجل الذي، ملكَ نهباً أكثر من نصف اقتصاد سورية. يستجدي الرئيس السوري، بشار الأسد، بأن يُبعد عنه المراقبين الماليين الأشرار! الذين لا يثق بهم، بل ولا يثق بأيّ رجلٍ في هذه الدولة، وأين الدولة؟ فقط يثق به، وبأن كل ماله لخدمة الرئيس، وليوزّعها على الفقراء، تحديداً، وبإشرافه أيضاً. خرج الرجل ببثٍ مباشر، وهذا يعني أن الصلات أصبحت مقطوعةً، ولنقل متأزمةً بشدّةٍ. وبالتالي، ولطي التأزم، لا بد من حدثٍ جللٍ. البث هو ذلك الحدث بكل بساطة. كان واضحاً أن خطابه يخفي قضية أساسيّة، والإعلام يلهج بها كثيراً، وتتعلق بـ"طغيان واستيلاء" أسماء الأخرس، زوجة الرئيس، على ثروات آل مخلوف والبلاد، وأن هذا الأمر تضخم وأصبح أكبر من أن يُسكت عنه. القضية لا تتعلق فقط بتجاوزاتٍ مالية، أو تهرّبٍ من تسديد الضرائب، وعدّة ملياراتٍ طلبها الروس، فهناك "تشليح" للأموال. وبالتالي، هذا مما فجّر العروة الوثقى بين العائلتين؛ اللتين تجتمعان، بالتصاهر، والسلطة، والأمن، والجيش، وبالتاريخ السياسي، وبالمستقبل كذلك! إذاً، القضية خطيرة، وبالطبع، تتجاوز "ثرثرات" القول، إنّها لتجميل صورة الرئيس، وإظهاره بأنّه قوي، وماسكاً كل أركان الدولة، بعد أن تراجعت هيبته كثيراً، وهناك انتقاداتٌ روسيّة كبيرة له، وضغوط ٍإيرانية شديدة. 
رامي مخلوف المحسوب على روسيا، ولديه استثمارات كبيرة هناك، بينما آل الأسد يحسبون بدرجةٍ ما على إيران، وهناك من يلمح أن هوى أسماء الأخرس بريطاني. هذا ليس بسيطاً، على سلطةٍ ضعيفة، وبلادها محكومة فعلياً من أربعة احتلالات، ويتبع لها من السوريين ألوية 
ومسلحون كثر، وبالتأكيد رجال في السلطة! والخامس، "يسرح ويمرح" ويقصف أية منشأة يراها، تضرّ بمصلحته. إذا هناك اختلال جديد، وهو يشتد قوّة، ومنذ سنوات بين آل مخلوف وآل الأسد، وهذا يعني أن القضية تتطلب حلاّ. إن كثافة الضغوط على رامي مخلوف، دفعته، إلى أن يعلن، بوضوح شديد، أن هناك ضرورة كبرى لتسوية الخلافات، وإلّا فهناك آليات للرد. وفي هذا، علينا أن نقرأ جيّداً، خطاب رامي، المتعلق بالفقراء، وضرورة إنصافهم، وسواه. فهو بذلك يلمح إلى قضية خطرة أيضاً، وهي استخدام كتلة الفقراء، التابعين له "وللسلطة" في الخلاف، في حال استعر أكثر فأكثر، وربما يريد من حكاية الفقراء والزهد في أحوالهم! تصوير ذاته والرئيس، بأنهما مسؤولان عن أحوال "الرعية"، وأن ذلك الخلاف سببه لجان الرقابة، ومن يقف خلفها، أي أسماء الأخرس.. المسألة صعبة بالتأكيد، فالسيدة من آل البيت.
إن ثورة وحرباً، واحتلالات خمسة، وكلفا باهظة، وديونا كارثية، وفسادا ونهبا كبيرين، وحسابا لم يأتِ بعد؛ إن ذلك كله يُفلس دولة عظمى، فكيف بدولةٍ، لا تمتلك بالأصل أكثر من عدة مليارات! نعم، في هذه الحالة، لا بد من المصادرات المالية، أو تأميم الشركات المالية، أو الاستدانة. الأخيرة غير ممكنة، وهناك الانتقال السياسي، وهذا ترفضه السلطة، إذاً ليس هناك أمام السلطة الحالية، والتي تتعرّض لضغوط روسيّة وإيرانيّة وواقع متأزم، إلّا المصادرات المالية. هذا ما تمّ، عبر أشكالٍ متعدّدة من الضغوط، مورست على رامي مخلوف، وتجار وأصحاب أموال كثر "طفيليين" في السنوات الأخيرة. حالة رامي مختلفة، فهو ليس فقط خازن أموال نهبتها السلطة، بل هو شريك فيها، وهو لا يقال له "ادفع بالتي هي أحسن"؛ مكانة الرجل في السلطة، وقد تأزمت هي بشدّة، وصارت مهدّدة بالزوال، هي ما تسبب بذلك الاختلال، وهو ما يدفع بتفكك الشراكات القديمة، وبالتالي هناك ضرورة لتصفية أموال رامي مخلوف، وربما كل ثروة آل مخلوف، وسواه أيضاً.
مع البث المباشر هذا، هناك رؤوس كثيرة، تتلمس رقابها، فمواسم القطاف، كما يبدو، اقتربت من حِينِها. السلطة الضعيفة تواجه مشكلة كبيرة، وأن تتفجر قضية بهذا الحجم بوجهها قضية لها ما بعدها، وبالتالي، تشكل كلمة رامي مخلوف مفصلاً في تاريخ السلطة، وربما هناك تصفيات كبرى قادمة. ما يحدث، في السلطة، لا يتعلق بها فقط، فهناك الاحتلالات، وما تصبو إليه مستقبلاً.
السلطة متأزمة كثيراً، وهي لا تمتلك حلولاً ثورية؛ فهي ضد الثورة، وضد أي إصلاح، والضغوط الدولية والإقليمية لا ترحمها. وبالتالي، على القطط السمان أن تدفع. ما فعله رامي أنّه فجّرَ 
الخلاف، والآن على السلطة أن تتحرّك، ولم يعد يكفي الاستيلاء على إدارة "سيريتل" أو جمعية البستان، وسواهما كثير. ضعف السلطة الواضح، وما تسرّب عن ضغوط روسية، وزيارة وزير خارجية إيران، جواد ظريف، أخيرا، وهناك قانون سيزر المقبل، أقول كلها عناصر، تؤكّد ضرورة إحداث تغيير كبير في السلطة، وهذا لم يعد خاصاً بها، بل هو ضرورة أيضا لكل من روسيا وإيران، وضمن ذلك علينا قراءة المشهد السوري، وما يتعلق به. المقصد من ذلك كله أن هناك جديداً يخص مستقبل سورية، وهو يطبخ في هذا التوقيت بين الدول المتدخلة في هذا البلد.
السياسات المتضاربة، والتي أصبحت معروفة، ومطروحة بشدّة، والمتعلقة بالخلافات الروسية الأميركية الأوروبية والإيرانية والتركية، لم يعد ممكناً أن تستمر على ما هي عليه. اللعب الروسي والإيراني لم يعد يفيد بشيء، ومساراته، عبر أستانة وسوتشي واللجنة الدستورية لم تدفع الغرب إلى تغيير سياساته. رامي مخلوف، ولا أحد يعلم إن كان داخل البلاد أو خارجها، وكذلك ليس في مقدور السلطة أن تتعامل معه كما آخرين، عبر طردهم أو إنهاء حياتهم، أو سجنهم.. فهو يمتلك أكبر حصة في الاقتصاد السوري، وعائلته شريكة أساسية في السلطة، وعلاقاته إقليمياً ودولياً كبيرة. التحليلات المستعجلة لما قاله لا تكفي، وهي بداية أحداث جديدة. أما معالمها الدقيقة، وكيفية تطورها، فلن تكون تكراراً لما تمّ لرجالٍ ضالعين في السلطة السورية.
سورية ليست الآن في 1983، حينما طُرِد رفعت الأسد، وأسماء الأخرس يبدو أنّها طامحة بقوّة، ورامي مخلوف أكثر من بيروقراطي وطفيلي في السلطة. وبالتالي، من أكبر الأخطاء، ألّا تتنبه السلطة إلى أيّة خطوات مستعجلة بحق الرجل، وأيضاً يفترض بالمعارضة ألا تقلّل مما فعله، ومما يترتب عليه أيضاً.