عندما يجدّد انقلابيّ رئاسته في موريتانيا

عندما يجدّد انقلابيّ رئاسته في موريتانيا

24 يونيو 2014
الصورة

ولد عبد العزيز يصافح الرئيس المنتخب قبل انقلابه(أغسطس/2008/فرانس برس)

+ الخط -
انتخب الموريتانيون (أو بعضهم على الأصحّ) رئيسهم القديم الجديد، الجنرال محمد ولد عبد العزيز، في ظلّ مقاطعة أغلب قوى المعارضة من أحزاب ونقابات. ليس في الأمر جديد في مجتمع، اعتاد فيه صاحب السلطة أن ينجح في أي استحقاقات انتخابية، لاستمرار وجود طبقة قبلية تقليدية مؤثرة، ولوجود رجال أعمال متنفذين ومنتفعين ببقاء الأمور على ما هي عليه، ولوجود مثقفين، تعودوا، غالباً، على أن يظلوا مع السلطة الحاكمة، منظرين لبقائها. لكن الجديد الذي يسترعي الانتباه، حقاً ذلك الطرح الذي تقدم به الرئيس الذي أعيد انتخابه، الجنرال محمد ولد عبد العزيز، في آخر مهرجان انتخابي لحملته، حين حاول تبرير الانقلابَين اللذين قام بهما ضد رئيسه السابق، والذي كان قائداً لحرسه، الرئيس العقيد معاوية ولد الطايع، ثم انقلابه الثاني على الرئيس المدني المنتخب، في انتخابات شهد لها مراقبون كثيرون في العالم بالنزاهة والشفافية، سيدي ولد الشيخ عبد الله.
قال الرئيس الجنرال المرشَّح، محمد ولد عبد العزيز، إنه قام بانقلابه الأول في 2005، لأنه أراد إنقاذ البلاد من سلسلة انقلابات فاشلة، ومن خطر الإرهاب، ثم برّر انقلابه الثاني سنة 2008 على الرئيس المدني المنتخب بأنه شعر أن قوى الفساد، بحسب تعبيره، والتي أزاحها في انقلابه الأول، بدأت تحاول العودة إلى الحكم من جديد!.
وليس الجديد هنا فقط أن يحاول مرشح في انتخاباتٍ، من المفترض أنها وسيلة للتداول السلمي على السلطة، تبرير استحواذه مرتين على السلطة بالقوة، كلا، فقد سبقه لها قبل فترة قصيرة عسكري مصري، مرشَّح هو الآخر، وقد فاز في الانتخابات.

المثير والخطير على بلد تعوّد منذ 1978 على الانقلابات العسكرية وسيلة للتغيير، أن مبرر الرئيس الجنرال، المنتخب حالياً، لانقلاباته، مبرّر صالح للاستخدام من دون تبديل من طرف أي عسكري مغامر انقلابي جديد.
عرفت هذه الصحراء الشاسعة الممتدة بين محيط أطلسي غربي، يفصلها عن أوروبا وعن أميركا، وبين نهر إفريقي جنوبي يفصلها عن السنغال المجاور، سلسلة انقلابات عسكرية بدأت منذ العام 1978، وأنتجت أحكاماً وسلطات، ما تكاد تستقر إحداها، إلا وتقفز سلطة انقلابية جديدة لتطيح بها، رافعة شعار "الإنقاذ أو التصحيح أو الإخلاص أو... أو...".
ولقد استطاعت الدولة الموريتانية تلك، والمؤسسة سنة 1960، المحافظة على تماسكها دولة، على الرغم من الرقم القياسي الذي سجلته رمالها من الانقلابات العسكرية المتناسلة، وظلت موريتانيا محتفظة بشكلها المستقل عن دعاوى "مغربيّتها"، والتي رفعها في المغرب المجاور علال الفاسي والملك الراحل محمد الخامس، في القرن الماضي، وقبل استقلالها عن الإدارة الفرنسية الاستعمارية.
وتضاعف الاهتمام الاستراتيجي الغربي في السنوات الأخيرة للمحافظة على استقرار موريتانيا، بعد تنامي نشاط تنظيم القاعدة، في ما يسمى المغرب الإسلامي ومنطقة الساحل، وبات وجود الرئيس، الجنرال محمد ولد عبد العزيز، كآخر رئيس يمكن أن يصل في انقلاب هدفاً لدى أوروبا و فرنسا تحديداً من جهة، وللولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، ذلك أن الرئيس الجنرال نجح في تقديم نفسه حليفاً قوياً لتلك القوى العظمى، وحامياً لمصالحها، المتعلقة من جهة بمكافحة مد الهجرة السرية القادم من الجنوب الإفريقي، ومواجهاً القاعدة في شمال مالي عن طريق مشاركته فرنسا في شن ضربات استباقية ضد وحدات تنظيم القاعدة هناك، فضلاً عن توفيره دعماً لوجستياً، كما يقول محللون غربيون، تمثل في قواعد عسكرية ومطارات سرية للقوات الخاصة الأميركية، وللقوات الفرنسية التي شاركت، وتشارك، في مواجهة التنظيم الإسلامي المتطرف في شمال مالي ومنطقة الساحل والصحراء الكبرى.
ستؤدي هذه الانتخابات الرئاسية، غير التوافقية أو الأحادية كما يحلو لبعضهم وصفها، كما يرى مراقبون، إلى احتقان داخلي، وقد ظهرت بوادره قبل الحملة الانتخابية، وتمظهر في افتراض نظام الرئيس الجنرال ولد عبد العزيز، فيما يبدو، وجود علاقة ما تربط المملكة المغربية المجاورة بمعارضيْن له، مما جعل السلطات تقدم على تفتيش قياديين بارزين في منتدى المعارضة في المطار، وبشكل وُصف بالمُهين، في أثناء قدومهما من الدار البيضاء.
ويرى بعضهم أن حالة الاحتقان تلك، ومخاوف نظام الجنرال الرئيس ولد عبد العزيز من "شيء ما" بات قريباً وقادماً من تدبير المغرب إزاحته من الحكم، وذلك كله يؤشر إلى أن الأيام المقبلة قد تكون حبلى بالتغييرات الدراماتيكية، وقد ينجح ائتلاف "ما" من المعارضين  الداخليين لولد عبد العزيز، ومن معارضيه الموجودين في حضن المغرب، وتحرّك ذلك الائتلاف مطامع المغرب المتجددة في الاستئثار، أو التحكم على الأقل، بمقاليد السلطة في موريتانيا، قد ينجح في إقناع فرنسا وأميركا وأوروبا أن مصالحها في موريتانيا، والمرتبطة باستقرار الحكم هناك وضمان قوته وتماسكه في مواجهة خطر تغلغل تنظيم القاعدة، لم تعد مصانة بشكل كامل وأكيد، في ظل استمرار جنرال أحادي الحكم في موريتانيا. عندئذٍ، قد نسمع خطاباً لانقلابيّ آخر، يكرر المقولات التبريرية للجنرال.