عندما تكون السياسة الخارجية الأميركية بأكثر من صوت

18 نوفمبر 2017
الصورة
جدل في واشنطن حول سياسة الإدارة الخارجية(مانديل نغان/فرانس برس)
عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جولته الآسيوية الطويلة ليجد أن متاعبه الداخلية قد تفاقمت وتهدد إدارته بالمزيد من الشلل. فالخلافات احتدمت كما لم تكن من قبل في صفوف "حزبه" الجمهوري. ومشروع قانون "الإصلاح" الضريبي مرشّح ليواجه المصير ذاته الذي انتهى إليه مشروع الرعاية الصحية. وبموازاة ذلك، تتزايد الانكشافات لخفايا التدخّل الروسي وملابساته في الانتخابات الأميركية بما يزيد من كابوس التحقيقات الجارية بشأنه.

لكن الانشغال بهذه المحليات الطاغية، لم يمنع تجدّد الجدل في واشنطن حول سياسة الإدارة الخارجية، وما قد يترتّب عليها من خسائر كبيرة إن لم يكن مخاطر أكبر بسبب التباساتها وأعطابها، وتحديداً في كوريا الشمالية والشرق الأوسط. وجاءت حصيلة زيارة ترامب الأخيرة التي امتدت نحو أسبوعين وشملت خمس دول ولقاءات مع قيادات آسيوية ودولية، "باهتة" في أحسن الأحوال، وفق معظم التقديرات والقراءات، وكانت الصين الرابح الأكبر فيها التي أنيط بها إدارة الأزمة مع كوريا، وبذلك تمت العودة إلى الخيار الدبلوماسي الذي سبق وباشر به وزير الخارجية ريكس تيلرسون وشوّش عليه ترامب. وأخذت بكين المبادرة وتراجع ترامب عن حدة خطابه مع تسليم ضمني بأن الممكن في الوقت الحالي لا يتعدى ضبط المشروع النووي الصاروخي الكوري الشمالي، إذ إن شطبه غير وارد في المدى المنظور.

وفي الجانب التجاري، رُجّحت أيضاً كفة الصين، بحسب الخبراء، لأن الاتفاقيات الثنائية التي أصرّ عليها ترامب تصب في مصلحة بكين على المدى الطويل. فالعمل بالعقود مع الدول بدل الاتفاقيات الجماعية، يعطي الصين فرصة لربط الأسواق الآسيوية بها بدل أميركا، التي يصرّ رئيسها على الانكفاء والتعامل بالعقود على طريقة إدارته لشركاته.


أما بخصوص الشرق الأوسط وأزماته المفتوحة، فالحديث عن الغياب والمراهنات الخاسرة بات كاللازمة في مداولات المراقبين حول مواقف الإدارة إزاء هذه المنطقة وأزماتها. وتجري في العادة صياغة السياسة الخارجية في ظل أي إدارة، من خلال عملية جمع وتشاور وتحليل لفريق الأمن القومي، ويصار في النهاية إلى اعتماد توجّه ما يكون للرئيس الكلمة الفاصلة بشأنه. وبعد ذلك يتوحّد خطاب المسؤولين بخصوصه. لكن ذلك ليس في إدارة ترامب. ففي معظم الملفات الخارجية إن لم يكن في كلها، صدرت عن الإدارة مواقف متباينة وأحياناً متضاربة، إزاء الملف نفسه. ما يعلنه وزير الخارجية، يسارع البيت الأبيض إلى نقضه. حصل ذلك في الأزمة مع كوريا الشمالية، كما في أزمة حصار قطر وفي التوتر مع إيران وحتى في الأزمة السعودية حيث سارع الرئيس إلى احتضان التغييرات الأخيرة، في حين التزمت الخارجية التحفّظ.

وينطبق الأمر على الملف العربي ــ الإسرائيلي الذي يتولاه صهر الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، مع تغييب الخارجية عنه. حتى أن السفير الأميركي في إسرائيل دافيد فريدمان المقرب من ترامب، يدلي أحياناً بمواقف وتصريحات متجاوزاً وزارة الخارجية.

"لا نعرف من يصنع سياسة إدارة ترامب ويتحدث باسمها"، هذا ما قاله المشاركون في ندوة في المؤتمر السنوي لـ"مؤسسة الشرق الأوسط للدراسات والبحوث"، في وقت ركّز الجنرال المتقاعد جون ألن الذي سبق وتولى مهمة المبعوث الرئاسي الخاص لمحاربة "داعش" وترأّس أخيراً مؤسسة "بروكنغز" للدراسات والأبحاث في واشنطن، على هذه النقطة أيضاً في ما يتعلّق بمنطقة الشرق الأوسط. وقال رداً على سؤال لـ"العربي الجديد" إن "تغييرات هائلة حصلت هناك وأتاحت الفرصة لواشنطن كي تعمل على تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي كما على تأكيد دورها، خصوصاً في الخليج وبالتحديد في الوضع السعودي وموضوع حصار قطر". ومع أنه يعتقد أن هناك من يريد تحقيق ذلك في الإدارة، "لكنني لا أعرف ما هي حقيقة رؤيتهم " في هذا المجال.

ويعرف الجنرال المخضرم أن التباس الرؤية يعود إلى ازدواجية السياسة والتوجه. كذلك، يعرف المعنيون والمتابعون أنه من المتعذّر تجاوز هذا الخلل، طالما أن الرئيس يعمل بمقاربة تقوم على خليط من العلاقات الشخصية والميل إلى التأجيج وترك المشكلات معلقة بعد تأزيمها. وصفة تخشى أوساط ودوائر مختصة في الشؤون الخارجية من عواقبها، التي تتراوح بين خطر التورط في مواجهات، وبين تقليص هيبة أميركا ودورها ومصالحها في الساحة الدولية، وفق ما يقول رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة ريتشارد هاس.