عندما تسقط كل حدود الحياء

عندما تسقط كل حدود الحياء

06 مارس 2014
الصورة
+ الخط -

 

لا يتعلق الامر قطعاً بفكرة نقد تلفزيوني، المسألة في اعتقادنا أعمق وأخطر من ذلك بكثير:

مجتمع ينشر غسيله الداخلي ويلقي ما تبقى من حميميته امام الجميع، تسقط كل يوم ورقة من أوراق التوت، التي تغطي، ما اعتقدنا أنه ذاتي وفردي وخاص جداً، وتتلقف المجموعة قصصنا، التي يفترض الا يعرفها أحد غير الطبيب النفسي لاقتناعنا بأنه سيحفظ السر المهني، وبأن الأسرار ستظل أسراراً فعلاً.

ما الذي حدث لنا؟ هل أخذ منا الجنون كل هذا المأخذ، حتى تتبارى القنوات التلفزية التونسية على تجريدنا مما تبقى من ملابس لم تعد تحفظ شيئاً؟

كانت البنت -المسكينة بالتأكيد- تروي قصتها في البرنامج...انتبهوا..اغتصبها زوجها، تروي باكية، كيف فعل ذلك بالتفصيل الممل، ولم يكن محاورها طبيبها أو شرطياً لجأت إليه، كنا جميعا نتفرج ونستمع، كنا بالملايين نمارس جريمة التنصت وتقريباً كان أغلبنا يتلذذ بمأساتها وبمآسي غيرها، التي تعرضها التلفزيونات التونسية أسبوعياً في برامج تحقق أعلى نسب المشاهدة.

هذه اغتصبها والدها، وتلك زوج أمها، والأخرى خرجت من بيت العائلة وارتمت في أحضان الشارع. وقس على ذلك من قصص الحياة الغريبة، التي كنا نعرف أنها موجودة، ولكننا لم نكن نتقاسم تفاصيلها على هذا النحو.

الغريب واللافت، أننا نلغي كل يوم حدا من الحدود، التي كانت تحفظ ما يمكن أن يسمى بالحياء او الخصوصية، سقطت كل الحدود وأصبحت التفاصيل الحميمية متقاسمة من الجميع. سيقول المدافعون عن هذه البرامج، إنها تسعى الى كشف مشاكل الناس، وتعرية المجتمع، وكسر حاجز التخفي والصمت الجماعي، وقد يكون هذا صحيحاً، ولكن السؤال يبقى حول الحدود الفاصلة بين التعري والحياء، بين الخاص والعام، بين الإثارة والسعي الكاذب لفهم المجتمع، كان المذيع يكتفي بالسؤال عن التفاصيل لتبكي المسكينة اكثر وتكشف اكثر، ثم تغادر كما دخلت، بدموعها عارية اليدين من أي حل الا من تلصصنا، نحن الملايين الذين تابعنا قصتها لنرويها غداً صباحا في المقاهي و المكاتب.

آباء وأبناء، أمهات وبنات، عائلات أصبحت تتابع مجتمعة هذه المثل الجديدة التي يقترحها التلفزيون على اجيال مهتزة بطبيعتها، أنحن مخطئون في سعينا للمحافظة على ما تبقى من حياء؟ أينبغي ان نفترش مشاكلنا ونتوسد قبحنا على هذا النحو الفاضح؟ هل تصلح المجتمعات بهذا الشكل؟ ربما.

"هيئة الاعلام السمعي البصري" قررت منذ يومين معاقبة احد هذه البرامج بإيقافه عن البث شهراً وتغريمه مائتي ألف دينار، ليس لخدشه الحياء، او ما شابه، ولكن لأنه بث صوراً من دون إذن صاحبها. من يدري فقد تكون هذه البداية، فنحن نعيش في بلد اسمه تونس، وهو على حد علمي، عربي ومسلم ومنفتح على كل أصقاع الدنيا، يستفيد منها ولا ينقلها حرفيا بكل بذاءتها و انحرافها.