عندما تجتمع روسيا وتركيا في ليبيا

عندما تجتمع روسيا وتركيا في ليبيا

08 يونيو 2020
الصورة
+ الخط -
باتت الأوضاع المتغيرة في ليبيا مفتوحة على احتمالات عديدة، خصوصاً مع تغير ميزان القوى العسكري فيها لمصلحة قوات حكومة الوفاق الوطني، إذ على الرغم من حديث عن توافق روسي تركي على الحاجة إلى إطلاق عملية سياسية برعاية الأمم المتحدة، ودعوة مشتركة من الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى وقف التصعيد العسكري، مروراً بدعوات عربية إلى وقف إطلاق النار، إلا أن احتمالات التصعيد والمواجهة العسكرية لا تزال قائمة، إذ من غير المتوقع أن يسلّم الداعمون لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بواقع الأمر. كذلك فإن قوات حكومة الوفاق الوطني لن توقف عملياتها العسكرية، لأنها تضع ذلك في إطار سعيها إلى استعادة جميع الأراضي التي سيطرت عليها قوات حفتر منذ إبريل/ نيسان 2019.
ولن يدفع تغير موازين القوى العسكرية لمصلحة قوات حكومة الوفاق الوطني روسيا وفرنسا والإمارات ومصر إلى سحب دعمها قوات حفتر، والدعوة إلى إجراء مفاوضاتٍ سياسية، بل إلى خيار التصعيد العسكري، إذ ظهرت مؤشرات على زيادة التدخل العسكري الروسي، عبر "إدخال روسيا طائرات مقاتلة إلى ليبيا من أجل قلب الموازين في الحرب الأهلية فيها"، حسب ستيفن تاونسند، قائد القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الذي اعتبر ذلك خطوة "تمثل تهديداً أمنياً محتملاً لحلف الناتو". وعلى خلفية الدعم الروسي الجديد، أطلق حفتر تهديدات بضرب المصالح التركية، ردّت عليه أنقرة بأنها مستعدّة للرد باستخدام الطائرات الحربية في حال تنفيذ تهديداته، مع تعزيز دعمها قوات حكومة الوفاق، الأمر الذي ينذر بزيادة التصعيد، وإطلاق تكهناتٍ باحتمال حدوث مواجهة روسية تركية على الأرض الليبية.
وعلى الرغم من نفي الساسة الروس تورّط بلادهم العسكري المباشر في ليبيا، إلا أن إدخال مقاتلات روسية إليها يدخل في سياق زيادة نفوذ روسيا فيها، وتعزيز موقعها في شرق البحر المتوسط، وبالتالي توسيع دائرة نفوذها في القارة الأفريقية، لكن ذلك سيدفع الولايات المتحدة، 
ومعها حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى التحرّك، وإطلاق تحذيرات من مخاطر تحوّل الوضع في ليبيا إلى مصدر تهديد للجنوب الأوروبي، لذلك يقف "الناتو" إلى جانب تركيا في ليبيا في سياق سعيه إلى الحدّ من ترسيخ التدخل الروسي المباشر في ليبيا، وهذا ما يضع أنقرة في مواجهة وتصادم مع موسكو في ليبيا، وهو أمرٌ تحاول أنقرة تجنبه، من خلال السعي إلى التوصل إلى اتفاقات وتفاهمات مع موسكو لتقاسم النفوذ والمصالح، على غرار تفاهماتها معها في الملف السوري في مساري أستانة وسوتشي.
إذاً، من غير الوارد حدوث أي مواجهة عسكرية بين روسيا وتركيا في ليبيا، على الرغم من دعم كلا البلدين طرفين متناحرين. الأرجح أنهما سيفضلان التوصل إلى تفاهمات سياسية، يراعي فيها كل طرفٍ مصالح الآخر. ويدعم هذا التوجه ما أظهره ساسة البلدين خلال مجمل تطورات الملف السوري في السنوات السابقة، حيث تمكّن هؤلاء من تخفيف الاحتقان والتوتر الذي اعترى علاقات البلدين في أكثر من مناسبة، وعقدوا اتفاقات وتفاهمات عديدة، ولم ينقطع التواصل السياسي بينهما. وتدخل في هذا السياق الاتصالات العديدة والمتواصلة بين مسؤولي البلدين حول الملفين السوري والليبي. وبالنظر إلى ذلك كله، سيحاول الروس والأتراك مراعاة بعضهما، لندخل في مرحلة يحاول فيها كلا الطرفين التمسّك بما حققه في الميدان. لذلك، لن يغير الدعم العسكري الروسي والتركي لطرفي الصراع كثيراً من
موازين الصراع الليبي، في ظل بقاء المؤشرات على عدم اقتراب الصراع الدولي والإقليمي على ليبيا من نهايته، نظراً لأن القوى المتدخلة فيه لم تستنفد بعد رهاناتها. وربما فكّرت موسكو وسواها في القيام بدور أكبر في ليبيا لتحقيق طموحاتها في توسيع نفوذها ومصالحها على حساب معاناة الليبيين.
وفي مقابل تزايد التدخل العسكري الروسي في ليبيا، هناك شبه غياب للاهتمام الأميركي فيها، حيث لا تملك إدارة الرئيس دونالد ترامب استراتيجية سياسية واضحة حيال الوضع في ليبيا، على الرغم من تصريحات مسؤولين أميركيين داعية إلى إجراء مفاوضات سياسية بغية تحقيق السلام والاستقرار، ودعوتهم إلى إنهاء "التدفق المزعزع للاستقرار للعتاد العسكري والمرتزقة الروس وسواهم من الأجانب إلى ليبيا". لكن إدارة ترامب تكتفي بالأقوال، ولا تقوم بأي خطوات داعمة، مع أن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والأتراك بشأن الوضع في ليبيا أظهرت توافقهما على دعمهما حكومة الوفاق الوطني، وأنهما يعتبران الهجمات عليها غير شرعية، ويطالبان الدول التي تدعم حفتر بوقف تدفق الأسلحة إليه. ومع ذلك، سيكون تأثير الولايات المتحدة محدوداً في ليبيا أمام التدخل الروسي، وأيضاً أمام الطموح التركي، خصوصاً بعد أن
بدأت تركيا نهجاً أشد حرصاً في حماية مصالحها الإقليمية، ولذلك تجهد كل من روسيا وتركيا في الدفاع عن مصالحهما في ليبيا، حيث لا يخفى على أحد اهتمام روسيا القوي بالثروة النفطية الليبية، إضافة إلى أنها تريد الحصول على موقع استراتيجي في ليبيا يطلّ على مياه البحر المتوسط، وعلى جنوب أوروبا، ويؤمن لها الدخول إلى القارّة الأفريقية للتنافس عليها مع الصين وأميركا وفرنسا وسواها. غير أن أنقرة تعتبر تدخلها إلى جانب حكومة الوفاق شرعياً، ودلالة على صعود تركيا قوة إقليمية كبيرة في المنطقة. لذلك، ترجّح حسابات المصالح بين الروس والأتراك أن يلجأ ساسة الدولتين إلى تهميش القوى الدولية الأخرى المتدخلة في الصراع على ليبيا، واتباع نهج الاستئثار بالقرار العسكري والسياسي فيها.