عندما تتقدّم حرية الصحافة في الصومال

07 مايو 2020
الصورة
كثيراً ما اقترن اسم الصومال، عقوداً، بالعنف الدموي وانعدام الحريات الإعلامية، حتى بدت تتردد أوصاف عند ذكر الصومال في أي تقرير صحافي أو سياسي، أو حتى البحوث الأكاديمية والأوراق العلمية، منها أنها أخطر بلد يعمل فيه الصحافيون. وهذا أبعد ما يكون أحياناً عن الحقيقة، ويجافي سجل الصومال الحافل بالحريات للإعلاميين في الداخل والخارج، وإنْ تحدث أحياناً أحداث أليمة ضد بعض الصحافيين، وتثير الرأي العام، المحلي والخارجي، على النظام السياسي في البلاد.
كان السجال في السنوات العشر الأخيرة بين الصحافيين والحكومات الصومالية، فكانت الأجهزة الأمنية تُغلق إذاعة محلية وتعتقل عشرات من الصحافيين ثم تفرج عنهم لاحقاً، وبسبب هذا السلوك، توجه اللجان الحقوقية والنقابات الصحافية غضبها على الحكومة، فتكسب تلك اللجان تعاطف المؤسسات العالمية المناهضة لحقوق الصحافيين، وترصد تقارير مؤثقة تعرض حقائق الانتهاكات والاعتداءات التي تُرتكب بحق الصحافيين في الصومال.
جاء في مؤشر حرية الصحافة العالمي الذي صدر أخيراً أن الصومال حقق تقدّماً طفيفاً في مجال صون الحريات المكفولة للإعلاميين، وتقدّم أمام سبع دول عربية، منها السعودية والبحرين
 وجيبوتي ومصر، وهو ما يبشّر بأن الصومال لم يعد وحده مكاناً للجرم بحق الصحافيين، لكنه ما زال في ذيل القائمة، وأمامه طريق طويل لتحقيق بيئة عادلة وآمنة، يعمل فيها الصحافيون لإنجاز مهامهم الإعلامية .
يعاني الصحافيون في الصومال حالياً من التعتيم الذي تمارسه السلطات في مقديشو، إذ لا تمنحهم حق حرية التغطية الإعلامية للمناسبات والمؤتمرات الصحافية التي تصدرها الحكومة الفيدرالية؛ حيث جهزت الحكومة الفيدرالية لنفسها جيشاً من المصوّرين لتغطية أحداثها، وتقدم تلك التقارير المصوّرة للإعلام المحلي وفق رؤيتها وبقالب تختاره مناسباً، وهو ما يعكس تعتيماً جائراً بحق الإعلاميين مساءلة المسؤولين الحكوميين في أثناء المؤتمرات الصحافية، ولكن ما يجري هو عكس ذلك؛ أن يعقد مسؤولو الحكومة مؤتمراً تحت جنح الظلام، ويتم تسريب تلك المواد صباحاً للإعلام المحلي، وبأجزاء مقطعة لا تناسب أحياناً السياسة التحريرية لكل وسيلة إعلامية في البلاد.
تلك هي النقطة الجوهرية والإشكالية المعقدة بين الحكومة الفيدرالية والنقابات الصحافية الصومالية، فضلاً عن سجل حافل بالانتهاكات والاعتداءات بحق الصحافيين، والتي تتمثل في مصادرة أجهزتهم الإعلامية، أو ضربهم والتهديد بالقتل، ومنعهم من التصوير أحياناً، وهو ما كان قائماً ضمن انتهاكات كانت تطاول صحافيين كثيرين قبل عشر سنوات، ولم تجد بعد حلاً لعلاج ظاهرة العنف ضد الصحافيين، ذكوراً وإناثاً.
في الثالث من مايو/ أيار الجاري، أرسلت نقابات الصحافيين عريضةً تتضمّن شكاوى الصحافيين، إلى الرئيس الصومالي، محمد فرماجو، وذلك للحد من التعدّيات والانتهاكات التي يواجهها الصحافيون في البلاد، ولكن الرئيس لم ينبس ببنت شفة، فخرج عليهم مدير المكتب الإعلامي له بخطاب لا يلبي طموحات الصحافيين وتطلعاتهم، وقال إن الحكومة الفيدرالية ليست مسؤولة عما يجري في الولايات الفيدرالية الأخرى لضمان حرية الصحافة، وهو ما يعكس حالة اضطراب وفشل تواجهها الحكومة الفيدرالية للحد من التعدّيات والتجاوزات التي يواجهها بعض الإعلاميين ومؤسساتهم، إذ تعرّضت صحافية صومالية للضرب من مسؤولين عسكريين في مقديشو قبل أيام، وتحرّكت الأجهزة الأمنية للقبض على العسكريين الذين اعترضوا سبيل الصحافية ومصورها، وهي خطوة تلقت إشادة واسعة من الإعلاميين المحليين. ولكن هذا في أنظار بعضهم ليس حلاً لانتهاكاتٍ كثيرة يتعرض لها الصحافيون جهاراً نهاراً، ما لم تسن قوانين تجرّم الاعتداء على الصحافيين في البلاد.
ويضاف إلى سجل الصومال الحافل بأعداد القتلى للصحافيين صحافي جديد سقط مع مطلع مايو/ 
أيار الجاري؛ إذ تعرّض لثلاث طعنات من مخمور، أسقطته صريعاً قبل أن يُسعف إلى المستشفى؛ ولا تزال ملابسات مقتل هذا الصحافي غير واضحة، ولم توضح بعد السلطات الرسمية أسباب مقتله، الأمر الذي يفيد بأن آلة الموت تحصد أرواح الصحافيين، كما غيرهم من الصوماليين، منذ عقدين ونيف.
نقطة الضوء أخيراً أن الصومال يقفز من ذيل القائمة، فيما دول عربية في أدنى المؤشر، لأنها الأشد قسوة بحق الصحافيين، ويقبع عديدون منهم في سجونها وفي سراديب الموتى، كما وفاة المخرج المصري الشاب شادي حبش، فضلاً عن آخرين يواجهون أحكاماً جائرة، ذنبهم الوحيد أنهم تجرأوا على كشف المستور. وما زال مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، قضية رأي عام عالمية، حتى بعد مررو سنة وأشهر على وفاته. وفي الصومال، ما زال الصحافي، أبوجا، يواجه تهماً بالانتماء لحركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، والمشاركة في جريمة قتل، وهي تهم صدرت من المخابرات الصومالية التي ذكرت، في تغريدة لها في تويتر، أن الصحافي مرتبط بجريمة قتل، وهو ما فندته النقابات الصحافية في البلاد، بحجة أن المخابرات ليست سلكاً قضائياً يصدر التهم والعفو، بل هي جهاز لمكافحة جرائم الأمن وتسليم المشتبه فيهم للسلطات القضائية أو العدلية للنظر في قضاياهم، ولم تتدخل السلطات الرسمية للبت في قضية هذا الصحافي المعتقل في سجن حكومي، من دون أمر قضائي، منذ نحو شهرين.
أياً كانت الاعتداءات التي يتعرّض لها الصحافيون في الصومال، فإن دور صحافة المواطن يتعاظم مع سرعة انتشار الإعلام الرقمي، فلم يعد بالإمكان إخفاء الحقائق والمعلومات عن المجتمع التكنولوجي الذي لم يعد يثق بالإعلام التقليدي، وأصبحت الصور والفيديوهات متداولة في الميديا الاجتماعية، قبل أن ينالها مقص الرقيب. لكن تبقى مسألة الاعتداء والانتهاكات جرماً لا يغتفر في فضائنا العربي الذي لم يعد في وسعه تقبل الرأي والرأي والآخر، وتروقه المدائح والتبعية فقط حتى في الرمق الأخير من المعالجة الصحافية.