عندما تتجسَّس مصر على ألمانيا

21 يوليو 2020
الصورة

(Getty)

للوهلة الأولى، يُخيَّل إلى متلقي خبر ضبط جاسوس يعمل لمصلحة مصر داخل دوائر حكم المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، أن مهمته الحصول على معلومات تكنولوجية لخدمة الاقتصاد المصري، أو لكشف أسرار الصناعات العسكرية، أو استراتيجية ألمانيا في مجالات الدفاع وغيرها من الاستراتيجيات لتزويد صنّاع القرار بها، لكي يفيدوا بها بلادهم وشعبهم. ولكن سرعان ما يُكتشف أن الأمر لا يعدو تجسُّساً على المصريين المقيمين في ألمانيا، وهو النشاط الوحيد الذي باتت تبرع به الديكتاتوريات وتُوقِف له جهدها المالي والبشري، مسقطةً من اهتمامها بقية النشاطات الضرورية لتطوُّر بلدانها. ويحيل هذا الخبر إلى حقيقة أن هذه الديكتاتوريات أصبحت لا تتورع عن التعاون مع الدول المعادية للحصول على أفضل تقنيات التجسُّس على مواطنيها.
وتناقلت وسائل الإعلام الألمانية، في 9 يوليو/ تموز الجاري، خبراً مفاده بأن الشرطة الألمانية قد فتحت تحقيقاً بعد إعلان هيئة حماية الدستور الألمانية التابعة لوزارة الداخلية اكتشاف جاسوس يعمل لمصلحة مصر، من خلال موقعه في المكتب الصحافي الاتحادي التابع لحكومة المستشارة ميركل، قائلةً إن هنالك اشتباهاً في أنه كان يعمل سنوات لحساب أجهزة الاستخبارات المصرية. وكانت مهمة المشتبه فيه التنسيق مع جهازي أمن مصريين يعملان في ألمانيا. وقالت وسائل إعلام ألمانية إن عمله لم يكن يسمح له بالنفاذ إلى المعلومات الحساسة التي تخص البلاد، بل كانت مهمته تنحصر في التجسُّس على المعارضين وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأفراد من الطائفة القبطية المقيمين في ألمانيا وطالبي اللجوء المصريين، عبر جمع بيانات عنهم، ونقلها إلى مشغِّليه.

تحولت مهمة الاستخبارات العربية من تزويد البلاد بتقارير اقتصادية قد تفيد اقتصادها إلى التجسُّس على المعارضين، أو حتى المواطنين المسالمين في الخارج

ولا يتفاجأ المصريون بهذا الأمر؛ إذ اعتادوا نشاط أجهزة الأمن في تتبعهم في الخارج ومراقبة أنشطتهم وحضور الفعاليات التي يقيمونها، وتسطير تقارير حولها إلى قياداتهم في القاهرة. وتبعاً لذلك، يمكن تفسير عسف أجهزة السلطة الذي يطاول عدداً من هؤلاء لدى عودتهم إلى مصر، فور وصولهم إلى أرض المطار في بلادهم، وزجّ بعضهم في السجون سنوات، وتعذيبهم وتلفيق تهم بحقهم. ويمكن إرجاع هذه الممارسات إلى حقيقة أن جهد الجاسوس قد أثمر، ملحِقاً الضرر بمصريين كثيرين وأهاليهم خلال سنوات عمله. ومن خلال استبعاد تقرير هيئة حماية الدستور الذي كشف عن الجاسوس أن مهمة هذا الجاسوس جمع المعلومات عن ألمانيا والحكومة الألمانية، يتبين أن جهد الجاسوس لم يكن منصباً على توفير جماعة ضغط داخل الحكومة الألمانية، أو تكوين رأي عام ألماني، للضغط على إثيوبيا في ما يتعلق بملف سد النهضة، على سبيل المثال، وهو أمرٌ أصبحت مصر بأمسّ الحاجة إليه بعد تطور ملف سد النهضة الذي يهدد الحياة فيها.
ولوحظ في العقود الأخيرة تبدُّل مهمات أجهزة الاستخبارات التابعة لدول عربية كثيرة من مهمة الحفاظ على أمن البلاد وكشف الجواسيس وشبكات التجسُّس التابعة للدول المعادية، أو الصديقة، وتفكيكها، ومن مهمة تزويد البلاد بتقارير اقتصادية قد تفيد اقتصادها إلى التجسُّس على المعارضين، أو حتى المواطنين المسالمين في الخارج. وتشمل عملية التجسُّس طرق التجسُّس التقليدية، من تتبُّع تحرّكات الهدف ومعرفة مخالطيه، وطبيعة أعمالهم وجنسياتهم، ومحاولة الاستماع إلى أحاديثهم، وحضور الفعاليات السياسية أو الثقافية التي يواظبون على حضورها وتسجيل ما يدور فيها. كذلك تشمل التنصّت على مكالمات الهدف بوساطة أجهزة التجسّس الحديثة، والبرمجيات الإلكترونية التي تنفذ إلى ملفاته وتسرقها، وتسجِّل مكالماته عبر الهاتف الخلوي، بل ومعرفة موقعه من طريق هذه البرمجيات. وتتعاون الدول العربية مع الدول الغربية والشركات التكنولوجية لشراء هذه البرمجيات وأجهزة التجسُّس والتتبع، وتنفق على تشغيلها ملايين الدولارات.

اعتاد المصريون على نشاط أجهزة الأمن في تتبعهم في الخارج ومراقبة أنشطتهم وحضور الفعاليات التي يقيمونها

ولا تتوانى هذه الدول عن شراء أجهزة التجسُّس وبرمجياتها من أعدائها من أجل التجسُّس على مواطنيها. وهي مفارقةٌ لافتة؛ فبدلاً من أن تتجسَّس الدول العربية على عدوها التاريخي، الكيان الإسرائيلي، لمعرفة خططه ضدها، تُظهر الوقائع والتحقيقات أنها تستعين بهذا العدو على أبنائها، لمعرفة مواقفهم تجاه أنظمتها، والإيقاع بهم من خلال التجسُّس عليهم. واشترت دول عربية عديدة أنظمة تجسُّس ومراقبة وتنصُّت وتكنولوجيا قرصنة بمئات ملايين الدولارات من الكيان الإسرائيلي. ومن تلك الأنظمة برنامج "بيغاسوس" الذي تنتجه شركة المراقبة (NSO) الإسرائيلية، لتزرعها في هواتف مواطنيها الخلوية وحواسيبهم الشخصية، داخل البلاد أو خارجها في مهاجرهم.

الأرجح أن تتخذ الحكومة الألمانية حادثة التجسس ورقة ضغطٍ لإجبار القاهرة على شراء مزيدٍ من الأسلحة الألمانية الفائضة عن حاجتها

ومهما يكن من أمر الجاسوس الذي يعمل لمصلحة مصر، لا يُعتقد أن تُعكِّر حادثة ضبطه صفو العلاقات بين برلين والقاهرة. بل من المرجح أن تتخذ الحكومة الألمانية الحادثة ورقة ضغطٍ تبتزُّ مصر بها لإجبارها على شراء مزيدٍ من الأسلحة الألمانية الفائضة عن حاجتها. وفي سجل البلدين حوادث مماثلة، منها المفارقة التي سجَّلتها ألمانيا سنة 2015، عند استقبالها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي كانت يداه لا تزالان مضرّجتين بدماء ضحايا اعتصام ميدان رابعة العدوية الذي فضَّته قواته بالرصاص والجرافات، وتناقلت وسائل الإعلام العالمية أخبار المجازر التي ارتكبتها قوات الأمن خلاله، وأدانته منظمات حقوق الإنسان في العالم، علاوة على إداناتٍ من عواصم غربية وعالمية. لكن تلك العواصم، في الوقت نفسه، أخذت تُشرعِن حكم السيسي، على الرغم من وصوله إلى الحكم بانقلاٍب عسكريٍّ، وتثبيت حكمه بإراقة دماء معارضيه، لأن ذلك يسهل عليها ابتزازه وتمرير العقود الفاسدة مع حكومته. 
أثار موضوع هذا الجاسوس الرأي العام في مصر، وفي دول عربية، ولكن على درجة أقل من الاهتمام. وكاد المتابعون أن يبتهجوا للخبر، معتقدين أن الأمر يتعلق بتسريب أسرار الحكومة الألمانية لإفادة الحكومة والشعب المصريين، إلى أن تكشَّفت الحقيقة، وعرفوا أنهم هم هدف تجسُّس النظام. ولم تفعل هذه الحادثة سوى أنها أكّدت لأبناء الشعب المصري أن النظام الحاكم في بلادهم، وغيره من الأنظمة القمعية الشبيهة، لا ترى أعداءً لها سوى في شعوبها.